حينما نكتب فنحن نتعرى؛ نكشف عن أنفسنا بطوعِ إرادتنا، وبحروفنا ذاتها، وكأننا نقول: ها نحن ذا فاقرأونا!

نشرع في تصفيف الحروف، فتبدأ عملية تشكيل الكلمات التي ننتقيها؛ نبدل تلك العبارة، ونضع كلمةً مكان أخرى،
حتى تكتمل لوحتنا التي قد تُدهشنا للوهلة الأولى، ثم إذا ما أمعنا النظر فيها، نكتشف بهتان ألوانها وقصور تشكيلها.


يقولُ الخطيب البغدادي: "من صنّف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس."،
ويقول الراغب الأصفهاني: "عرض بنات الصلب على الخطاب أسهل من عرض بنات الصدور على الألباب."

بيد أننا لا نستغني عن ذلك الامتثال أمام الآخرين، بل ونزين تلك الحروف ونؤنقها؛ طمعًا لرضى تلك العيون القارئة،
وإمعانًا لنيل ذوائقهم المختلفة، المتناقضة أحيانًا.


حروفنا المكتوبة هي صورة شخصية لنا، يُستشفُ بها عن ملامحنا الداخلية، وأصواتنا الكامنة التي لا تظهر للعيان،
وتعكس بعضًا من ملامحنا التي لا تستطيع آلة تصوير مهما أؤتيت من براعةٍ التقاطها. هي عكس تلتقطه أحرفنا عن
أنفسنا، لتنشئ للرائي/ القارئ صورًا تحاكينا الملامح، بيد أنها توضح تفصيلاتٍ كُثر، وخطوطًا دقيقة لم تكن لتظهر
بغير الكتابة.


الكتابة نورٌ يتسلل منا بإيعاز منا. هي حديثنا بصورته المرتبة المؤنقة، وصوتنا بهيئته الساكنة بكل ضجيج
الأفكار القابعة به. غير أن لنا القدرة على تعديله قوةً وضعفًا، علوًا وانخفاضًا، بحسبِ قدرتنا على سبكِ أحرفنا،
ورسم كلماتنا.


حينما نكتب فنحن نُشيّد أفكارنا، نخرجها من حيز التجريد إلى حيز المحسوس المقروء. نفسح لها الطريق
إلى الوجود، لتعرض نفسها للآخرين، ونترك لها تجربة عالمها الجديد بعد أن تحررت من أقفال القلب والعقل.
نتخلى عنها للمرة الأولى، نرسلها وحدها، ونترقبها من بعيد.


كتابتنا تحكي للآخرين عنا، وتقصُّ عليهم شيئًا من خبايانا. ليست تُخبرهم عن حدودِ نصنا أو موضوعنا
فحسب، بل تسري أبعد من ذلك لتسبر أغوارنا العميقة، وتبدي شيئًا من تفصيلاتنا ومعالمنا المخبئة. هي سفيرنا
الذي نقدمه للآخرين؛ نؤنقه بأبهى حُلة، ونبعثه ممنين له القبول لدى جمهور الأعين القارئة.


حينما نكتب فإننا ننشىء جسورًا للآخرين، ليعبروا بها منطقة قلوبنا وعقولنا. نمهد لهم الطريق، ونقدم لهم
كتابتنا كجوازِ سفر ليتسللوا به لسراديبنا المحكمة، وليقتنصوها فرصة لقراءة أبعادنا التي لا تحكى، ودواخلنا
الغائبة عنهم.

ونظلُ نكتب، وتظل الكتابة تمعن في كشفنا، ويظل كل نص نقدمه شاهدًا على شيء ما فينا، مخلفًا وراءه طابعنا الخاص،
وحكايانا غير المرئية، مجليًا بصمتنا التي تثبتنا، ومعطرًا بسكبٍ من رائحتنا التي ترهص أنها تنتمي لقلوبنا. لنرى أنفسنا ممثلةً
بنصوصنا التي اقتصصناها من أرواحنا، لنشرعها للآخرين، لتكتبنا لهم، وليقرؤنا.....