الصفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
عرض النتائج 11 إلى 14 من 14

الموضوع: محتوى مقرر ( مناهج تحليل النص الشعري )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    326

    افتراضي محتوى مقرر ( مناهج تحليل النص الشعري )

    المحاضرة الأولى : مدخل إلى الشكلانية
    لا يمكن الكلام على الاتّجاهات الإنشائيّة التي تدور على الظّاهرة الشّعريّة دون النّظر ولو نظراً سريعاً في المنهج الشّكلانيّ، والتّنبيه على أبرز المفاهيم التي سنّها الشّكلانيّون الرّوس والإشارة إلى بعض التّطبيقات التي أجروها على النّصوص الشّعريّة.
    إنّ اقتران الشّكلانيّة بعَدَدٍ من النّقّاد والأدباء الرّوس لم يمنع الشّكلانيّة من أن يكون لها امتدادات خارج روسيا وخاصّة في تشيكويلوفاكيا من خلال «حلقة براغ اللّسانيّة» (Cercle linguistique de Prague) وفي بولونيا وألمانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة التي هاجر إليها بعض الشّكلانيّين الرّوس ومن بينهم «ياكبسون»، وفيها واصلوا بحوثهم.
    وإنّ هذه الحركة النّقديّة التي لم تدم طويلاً (1915 -1930) أَسْهَمَتْ بدور تأسيسيّ مهمّ في مجال نظريّة الأدب، عبر ما اهتدت إليه من آليّات نظريّة قابلة للتّحويل الإجرائيّ:
    أ. في مجال دراسة الشّعر.
    ب. في مجال تحليل النّصوص الشّعريّة.
    ج. في مجال بلورة مسائل تخصّ الأجناس الأدبيّة وتاريخ الأدب.
    واللاّفت للانتباه أنّ الشّكلانيّة هي في الأصل نَعْتٌ أو صفة تهجينيّة أطلقها خصومُها الذين تشبّثوا بمقارباتٍ -للأدب- نفسيّة واجتماعيّة وتاريخيّة وبلاغيّة، فشدّدوا على منزلة التّاريخ في دراسة الأدب وألحّوا على أولويّة المضامين على الأشكال.
    ورغم هذا العداء النّقديّ للشّكلانيّة الرّوسيّة استطاعت التّأثير في السّاحة النّقديّة العالميّة متمثّلة في مدرسة «براغ» اللّسانيّة وفي تيّار النّقد الشّموليّ في بُولَنْدَا وفي البنيويّة الفرنسيّة مُجَسَّمَةً في «رولان بارت» (Rolland Barthes) و«جيرار جنيت» (Gérard Genette) خاصّة، وفي مدرسة النّقد الجديد (New Criticism) في بريطانيا وأمريكا الشّماليّة.
    والملاحظ أنّ الشّكلانيّة الرّوسيّة قامت على مجموعتين من الأعلام تجمعهما أرضيّة معرفيّة مشتركة، يمثّل المجموعة الأولى حلقة موسكو اللّسانيّة تأسّست سنة 1915 ويُمَثِّلُها عدد من الطّلبة الشّبّان أبرزهم: «رومان ياكبسون» (Roman Jakobson)، ويمثّل المجموعة الثّانية «جمعية دراسة اللّغة الشّعريّة» المعروفة (OPOÏAZ) تأسّست سنة 1917 بـ«بيتسبورغ» (Petersburg)، ومن أبرز أعلامها «إيخنباوِم» (Eikhenbaum) و«شلوفسكي (Chlovsky). وقد شدّت هذه الجمعيّة من أزر حلقة موسكو اللّسانيّة، واتّفقت معها على دراسة المستويين التّاليين:
    دراسة الجانب اللّسانيّ للشّعر: وتندرج في هذا المستوى أعمال مُهِمّة أنجزها «ياكبسون» أَلْفَتُهَا للانتباه تحليله قصيدة القطط (Les chats) لـ«بودلير» (Baudelaire) ودراساتُه المتعلّقة بمفاهيم «المهيمنة» و«التّوازي» و«النّحو» في الشّعر.
    دراسة البنى السّرديّة: وأظهر مثال على ذلك ما سعى «إيخنباوم» إلى إبرازه حين أجرى أغلب المقولات التي انطلق منها الشّكلانيّون على نصّ قصصيّ هو «المعطف» (Le manteau) لـ«غُوغُول» (1809-1852)، فأبرز دور التّوظيف الصّوتيّ والأسلوبيّ عامّة، في بناء الأقصوصة.
    وهذا يعني أنّ الشّكلانيّين ينظرون إلى الأثر الأدبيّ في ذاته، منفصلاً عن سياقاته التي نشأ فيها وصدر عنها. فاعتبروا الفنّ استخداماً مخصوصاً للمادّة اللّغويّة، لكنّهم ركّزوا لِقاء هذا الجانب التّنظيريّ على الجانب الإجرائيّ، فكثّفوا من المباشرة التّطبيقيّة للنّصوص الأدبيّة قَصْدَ الوقوف على خصائصها البنائيّة وعلى القوانين التي تتحكّم فيها، وعلى ما يسمح لها بالانتساب إلى جنس الأدب. وقد لخَّصَ «ياكبسون» هذه المسألة في قوله: ”إنّ موضوع علم الأدب ليس الأدب وإنّما هو الأدبيّة، أي ما يجعل من أثر مّا أثراً أدبيًّا“.
    لذلك تركّز اهتمام الشّكلانيّين في مباشرتهم الآثار الأدبيّة على العناصر المستخدمة فيها استخداماً مخصوصاً، وعلى العلاقات الرّابطة بينها. وتنكّبوا المقاربات اللّغويّة التي تنصرف عن النّصّ أو تتّخذه منطلقاً للاستدلال على صحّة مقدّماتها على نحو ما نجده لدى أعلام النّقد النّفسيّ (شارل موران) (Charles Mouron) وأعلام النّقد الاجتماعيّ (لوكاتش (Lukács) وقولدمان (Goldman)).
    وإنّ المقالات التي جمعها «تودوروف» (Todorov) وقدّمها وترجمها ونشرها بعنوان «نظريّة الأدب في نصوص الشّكلانيّين الرّوس» والتي قدّمها «ياكبسون» بعنوان «من أجل علم لفنٍّ إنشائيّ» لممّا يؤكّد عُمْق الصّلات بين الشّكلانيّة والإنشائيّة,
    فكيف تمّ التّحوّل من الشّكلانيّة إلى الإنشائيّة؟
    يُعَدُّ «رومان أسيبوفيتش ياكبسون» من مؤسّسي الإنشائيّة الحديثة والحلقة الواصلة بين الشّكلانيّة والإنشائيّة.
    وهو من مواليد 11/10/1896 بموسكو. وقد ورث عن عائلته الاهتمام بالعلم، فأظهر في سنٍّ مبكِّرةٍ اهتماماً واضحًا بالآداب العالميّة.
    ويمكن أن نوجز إسهاماته في ما يلي:
    · هو رائد في مجال اللّسانيّات وخاصّة الصّوتيّات.
    · وهو من مؤسّسي حلقة «براغ» للأبحاث (1926) إن في مجال الدّراسات اللّسانيّة أو الأدبيّة لا سيّما الشّعريّة، ومُشاركٌ في تأسيس حلقة موسكو اللّسانيّة.
    · أسهم بدور فعّال في بلورة النّظريّة الفونولوجيّة (علم وظائف الأصوات) (1915-1920).
    · درّس منذ سنة 1946 في جامعات أمريكيّة بوصفه أستاذًا للّسانيات العامّة واللّغة والأدب السّلافيَيْن.
    · أسهم بدور رئيس في أعمال حلقة نيويورك اللّسانيّة وفي إدارة مجلّتها (Word). وتفرّغ في السّتّينات والسّبعينات لدراسة الشّعر.


    • لم يكفّ ياكبسون في جلِّ كتاباته عن التأكيد أن الشعر يتسم بالتشديد على شكل الرسالة، إذ تتمتع العلامات في حدِّ ذاتها بثقلٍ خاص، وتكتسب سمكًا ينقلها من وضع الإحالة الشفافة على المحتوى أو المرجع أو الذات إلى وضع التميز الذاتي إزاء ذلك كلِّه، بحيث لا تعود العلامات مجرد ظلٍّ وإنما تصبح شيئاً آخر.
    ويكتسب الشعر هذه السمة المسماة ”وظيفة إنشائيَّة“ بفضل إسقاط مبدأ المماثلة من محور الاختيار على محور التأليف أو التوزيع وتنتج عن ذلك البنية التي تسمى التوازي. ويشمل عند ياكسبون أدواتٍ إنشائيَّةً تكراريَّة منها الجناس والقافية والترصيع والسجع والتطريز والتقسيم والمقابلة والتقطيع والتصريع وعدد المقاطع أو التفاعيل إلخ.
    ويمكن لبنية التوازي هذه أن تستوعب الصور الشعرية بما فيها من تشبيهات واستعارات ورموز. ويمكن للتوازي أن يتخطى حدود البيت أو المقطوعة لكي يستوعب القصيدة بأتمها حيث توازي مجموعة من الأبيات أو مقطوعة مجموعةً أخرى ضمن القصيدة نفسها.
    ولم يفُت ياكبسون أن يعبِّر عن تحرجه إزاء تحديد جامد للشعر، إذ يقول: ”لا توجد أسوار صينية بين الشعر والحياة وبين الشعر والمرجع وبين الشعر والمبدع وبين الشعر والمتلقي وبين الشعر وسائر الفنون وبين الشعر والهموم الإنسانيَّة، كل ذلك يخترق الرسالة الشعرية ويتقاطع داخلها“
    · وهو إلى ذلك صاحب مؤلّفات في علوم اللّسان أبرزها:
    Essais de linguistique générale.
    Huit questions de poétique.
    Six leçons sur le son et le sens.

    وفيها جمع بين دراسة علوم اللّسان ولغة الشّعر والصّوتيّات. وإنّ مقاله الشّهير الموسوم بـ«اللّسانيّات والإنشائيّة» -وقد أدرجه في كتابه «محاولات في اللّسانيّات العامّة» يؤكّد العلاقة الوطيدة بين اللّسانيّات والإنشائيّة. يقول في الصّفحة 210: ”تهتمّ الإنشائيّة بمسائل البنية اللّغويّة [...] ولمّا كانت اللّسانيّات هي العلم الشّامل للبنى اللّغويّة، فإنّ الإنشائيّة يمكن أن تُعَدَّ جزءًا لا يتجزّأ منها“.
    قضايا الشّعريّة، ص: 6.
    عبيطة بعض المشاعر تراها تقطع مسافات شاسعة بحثا عنه بينما هو بالقرب ينتظر أدنى التفاتة

  2. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    326

    افتراضي

    المحاضرة الحادية عشرة :
    تطبيقات للمنهج الإنشائي على نصوص شعرية لأحمد شوقي
    تطبيقات
    نواصل في هذه المحاضرة إجراء التطبيق على نصوص من الشعر العربي الحديث والقديم في ضوء المنهج الإنشائي لتحليل النص الشعري. ونستحضر في هذا المقام تطبيقات الدكتور محمد الهادي الطرابلسي على نصوص شعرية لأحمد شوقي:
    النموذج الأول: التوازي التركيبي العمودي: نبدأ بالتوازي الذي يقع بين بيتين فأكثر أو بين صدرين من بيتين أوبين عجزين فأكثر.والمقصود به التزام نفس التركيب على وجه يفضي إلى نوع من التغني.
    أ)التزام نفس التركيب في كثير من الأبيات المتتالية: واختار الطرابلسي مثالا على ذلك الهمزية النبوية لأحمد شوقي، وقد أقامها على تواز تركيببي واحد، هو التركيب التلازمي الظرفي على النحو التالي:
    فإذا سخوت بلغت بالجود المدى و فعلت ما لا تفعل الأنواء
    وإذا غفوت فقادرا، ومقـدرا لا يستهين بعفوك الجهلاء
    وإذا رحـمت فأنـت أمّ وأب هذان في الدنيا هما الرّحماء
    وإذا غضبت فـإنما هي غضبة في الحق، لاضعن ولا بغضاء
    وإذا رضيت فذاك في مرضاتـه ورضى الكثير تـحلّم ورياء
    ب)التزام نفس التركيب الذي تتصدره الأداة كأنّ، نستدلّ على ذلك بهذه الأبيات التي اقتطعها الطرابلسي من قصيدة صدى الحرب لأحمد شوقي:
    كأنّ خيام الجيش في السهل أينق نواشز، فوضى، في دجى الليل شزّب
    كأنّ السـّرايا ساكنات موائجا قطائع، تعطى الأمن طورا، وتسلب
    كأنّ القنا دون الخيـام نـوازلا جداول، يجريها الظلام، ويسكب
    كأن ّالدّجى بحر إلى النجم صاعد كأن السرايـا موجه المتضـرب
    كأن ّالـمنايا في ضميـر ظلامه همـوم بها فاض الضمير المحجّـب
    كأنّ وجوه الخيل غرا وسـيمـة دراري ليـل طلّع فيه ثقّـب
    كأن ّصهيل الخيل ناع مبـشّـر تراهنّ فيها ضحّكا وهي نحّب
    كأنّ أنوف الخيل حرّى من الوغى مجامر في الظّلماء تهدا وتلهـب
    كأن ّصدور الخيل غدرعلى الدّجى كأنّ بقايا النّضح فيهنّ طحلب
    ج)قسم من قصيدة الهلال الأحمر لأحمد شوقي، يبدا فيها التركيب بأداة "كأنّ" كذلك:
    كأنّه شفق تسمو العيون له قد قلّد الأفق ياقوتا ومرجانا
    كأنّه من دم العشاق مختضب يثير حيث بدا وجدا وأشجانا
    كأنّه وردة حمراء زاهية في الخلد قد فتّحت في كفّ رضوانا
    نلاحظ من المقاطع الشعرية الثلاثة السابقة لأحمد شوقي أنه يميل إلى هذا النوع من التوازي التركيبي العمودي.
    وقد لعب التوازي التركيبي العمودي في هذه الأبيات دورين:
    أ) خلق إيقاعا موسيقيا متميزا يمثل وقفة تأمل واستراحة لاستعادة النشاط قبل التمادي في القصيدة. ففي المقطع الشعري الأول، ساعد التوازي التركيبي العمودي الشاعر على الوقوف للتغني بخصال الرسول صلى الله عليه وسلم وتمجيدها. وفي المثال الثاني ساعده على الكفّ عن سرد الأحداث وتحليلها، لغاية وصف كلّ جزئيات الحرب. بينما كان وقوفه في المثال الثالث لتمجيد الهلال.
    ب) خلق التوازي التركيبي العمودي في المقاطع الشعرية السابقة لأحمد شوقي، جوّا ملحميا هائلا يقوم على الاستقصاء دون الإيحاء، فإذا بالهمزية ملحمة دينية، وإذا بصدى الحرب ملحمة نضالية، وإلى جوّ الملحمة النضالية أيضا تنزع قصيدة الهلال الأحمر.
    النموذج الثاني: التوازي التركيبي الأفقي، أو الموازنة: يتمثل هذا التّوازي التّركيبي الأفقي –حسب الدكتور محمد الهادي الطرابلسي- في إقامة الشّطرين من البيت الشعري على مفردات يناسب تقطيع كل منها في الشطر الأوّل تقطيع نظيره في الشطر الثّاني مناسبة تامّة أو تنزع إلى أن تكون تامّة. وهذا النّوع من التّوازي التّركيبي الأفقي هو الذي استوقف القدامى فتوسّعوا في درسه، واصطلحوا على تسميته بالموازنة. ومن مظاهر التّوازي التّركيبي الأفقي في شعر أحمد شوقي قوله:
    ولنجعل/ مصر/هي/ الدّنيا / ولنجعل/ مصر/ هي/ الدّينا
    وهلّل/ في/ الجوّ/ قيدومها/ وكبّر/ في/ الماء/ سكّانها
    و/حياتي/ في/ التّداني / و/مماتي/ في/ التّداني
    و/مع/ المجدّد/ بالأناة/ سلامة / و/مع/ المجدّد/ بالجماح عثار
    وقد لاحظنا كيف يقوّي التّوازي التّركيبي الأفقي المقابلة بين الصّدر والعجز، فينكشف مابينهما من فارق يصل أحيانا إلى التّضادّ.
    وقد يقوّي التّوازي التّركيبي الأفقي الازدواج بين التّركيبين والتّقارب بين معنييهما فتساهم في تمام المعنى على نحو ما نتبينه من قول أحمد شوقي:
    وعلى / وجوه الثاكلين / كآبة وعلى / وجوه الثاكلات / رغامُ
    حيران القلب / معذّبه مقروح الجفن / مسهّده
    النموذج الثالث: التوازي التركيبي الأفقي الرباعي: يقول محمد الهادي الطرابلسي في شأن هذا الضرب من ضروب التوازي التركيبي الأفقي: ”قد يكون التوازي التركيبي الأفقي رباعيًّا وذلك عندما يكون البيت الشعري قائمًا على أربع وحدات صوتية صغرى“. ويستدلّ على ذلك بالمقطعين الشعريين التاليين:
    المقطع الأول في وصف القمر، يقول:
    فلا هو خافٍ / ولا ظاهرُ ولا سافرٌ لا / و لا منتقبْ
    وليس بثاوٍ / و لا راحل و لا بالبعيد / ولا المقتربْ
    توارى بنصفٍ / خلال السحبْ ونصفٍ على جبلٍ لم يغبْ
    فعولن فعولن / فعولن فعولن فعولن فعولن / فعولن فعولن
    المقطع الثاني:
    من قصير اللّفظ / في مكر النّهى وطويل الرّمح / في كيد الوتين
    فاعلاتن فاعـ / ـلاتن فاعلن فاعلاتن فاعـ / ـلاتن فاعلانْ
    يعلّق الطرابلسي على هذين المقطعين الشعريين بقوله: ”إن هذا }التوازي التركيبي الأفقي{ يستخدم في مقام التأكيد وتفصيل المجمل والاستقصاء، والملاحظ أنه قد يكون معزّزاً بقافيةٍ داخلية كما قد يكون مجرّدًا منها مثلما في المثالين السابقين. فإذا كان ذا قافية داخلية فهو الترصيع“

    عبيطة بعض المشاعر تراها تقطع مسافات شاسعة بحثا عنه بينما هو بالقرب ينتظر أدنى التفاتة

  3. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    326

    افتراضي

    المحاضرة الثانية عشرة

    تطبيقات
    للمنهج الإنشائي على معلقتين
    نواصل في هذه المحاضرة إجراء التطبيق على النصوص الشعرية العربية، واخترنا نصين شعريين يعدان من النصوص المعالم، هما معلقة زهير بن أبي سلمى ومعلقة امرئ القيس، وسنكتفي في هذه المحاضرة بمعلقة زهير ومنها اجتزأنا ما يلي:
    يقول زهير في خاتمة معلقته، وقد اتخذها موطناً لضرب الحكمة:
    سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِـشْ ثَمَانِينَ حَوْلاً لا أَبَا لَكَ يَسْـــأَمِ
    رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصب تُمِتْهُ وَمَنْ تُخِطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْـرَمِ
    رَأَيْتُ سَفَاهَ الشَّيْخِ لاَ حِلْمَ عِنْـدَهُ وَإِنَّ الفَتَى بَعْدَ السَّفَاهَةِ يَحْلُـــــمِ
    وَأَعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـــهُ وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمٍ مَا فِي غَدٍ عَــمِ
    وَمَنْ لاَ يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيـــرَةٍ يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِــمِ
    وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَـم
    وَمَنْ لاَ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاَحِهِ يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَــمِ
    وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّماء بِسُلَّـــمِ
    وَمَنْ يَعْصِ أَطْرَافَ الزِّجَاجِ فَإِنَّــهُ يُطِيعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْــذَمِ
    وَمَنْ يُوفِ لاَ يُذْمَمْ وَمَنْ يُفْضِ قَلْبُهُ إِلَى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لاَ يَتَجَمْجَـــمِ
    وَمَنْ يَجْعَل المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِـرْ ضِهِ يَفِرْهُ وَمَنْ لاَيَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتـــمِ
    وَمَنْ يَجْعَل المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ يَعُدْ حَمْدهُ ذَمًّا عَلَيْهِ وَيَنْـــــدَمِ
    وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُوًّا صَدِيقَـهُ وَمَنْ لا يُكَرِّمِ نَفْسَهُ لَمْ يُكَـــــرَّمِ
    وَمَنْ لاَ يَزَلْ يَسْتَرْحِلِ النَّاسَ نَفْسَـهُ وَلاَ يُعْفِهَا يَوْماً مِنَ الذُّلِّ يُسْــــأَمِ
    وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَـةٍ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَــمِ
    وَكَائِنٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجَبٍ زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّـــمِ
    لأَنَّ لِسَانَ المَرْءِ مِفْتَاحُ قَلْبِـــهِ إِذَا هُوَ أَبْدَى مَا يَقُولُ مِنَ الفَــــمِ
    لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فؤادُهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْــــمِ وَالدَّمِ
    نزع زهير في هذه الأبيات إلى ضرب الحكمة في تركيب مخصوص يناسب المعاني الحكميّة، وهو التّركيب التّلازميّ الشّرطيّ، وقيّدَهُ بالأداة [مَنْ]،وهذا يُعْربُ عن تعلّق الحكمة –عنده- بالكائن الإنسان ذلك أنّ [مَنْ] هي من قبيل الأسماء الدّالّة على العاقل. فلئن كانت الحكمة بمختلف تراكيبها موجّهة إلى الإنسان، فإنّ التّركيب الشّرطيّ بـ[مَنْ] أكثرها تصويراً لتعليق الحكمة به وأكثرها إِعْرَاباً عن مسؤوليّته كإنسان عاقِلٍ في اختيار مصيره. بما يعني أنَّ تَحَقُّقَ دلالة الحكمة يبقى رهين إرادة الإنسان أوّلاً.
    والواضح من هذه الأبيات الحكميّة أنّها تحيل على إنشائية قوامها التّحكيك والتّجويد، وأنّها تُعبّر عن تجربة عميقة بالحياة والأحياء والأشياء، وتتضمّن عِبْرَةً مقصودةً ونصيحة منشودةً مُستوحاة حقائقها المُجَرَّدة من الوقائع المحسوسة.
    وقد قامت الحكمة في القسم الأخير من المعلّقة بدور القُفْل البنائيّ من جهة والمنشِّط الذّهنيّ من جهة ثانية، ممّا يؤكّد أنّ إنشائية هذه المعلّقة تخضع لِنِظامٍ مُسْتَحْكَمِ الأصول بيّن المعالم.
    ولاحظنا أنّ إنتاج المعنى وإبلاغ الرّسالة وتوجيه فعل القراءة لم يعد مقتصراً على ما تؤدّيه الألفاظ من معان، بل تجاوز ذلك لِيَشْمَلَ –بالإضافة إلى العنصر الصّوتيّ والعنصر التّخييليّ والعنصر التّركيبيّ- بقيّة الاختيارات الأسلوبيّة المائزة المتمثّلة في كيفيّة عَرض المعطوفات وطرائق توزيعها وتدفّقها على نحو مخصوصٍ يُلَخِّص حصاد تجربة العمر من لَدُن شاعرٍ سَئِمَ الحياة، وآمن بقيم بدويّة في بيئة قبليّة يَحْكُمُهُا السّيف والقوّة والمال:
    وإذا كان الأسلوب عند بعض الدّارسين سَنَناً إضافيًّا أو ما بعْدِيًّا يتمثّل في ما تُدْخِلُه الذّات المبدعة على الجهاز اللّغويّ من إعادةِ توزيعٍ وتصاريفِ استخدامٍ، يُركَّب على سَنَنٍ ما قَبْلِيّ يتمثّل في اللّغة بمُعْجَمِها وقواعدِ تركيبها وكيفيّة انتظام أصواتها وأبنية صِيَغها، فضلاً عن البحورالشعرية والأغراض المطروقة والأجناس المضبوطة باعتبارها قواعد مُسَبّقة وظواهر معطاة، فإنّ السّنن الإضافيّة تعدّدت في القسم الحِكميّ وتراكبت وتضافرت لأداء معنى الملل من مشاقّ الحياة [سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ] والجهل بما هو آت [وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمٍ مَا فِي غَدٍ عَمِ].
    وإصابة الموت الإنسان على غير نسقٍ وترتيب وبصيرة [رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ]، وكأنّ الشّاعر يُعزِّي أهلَ القتلى من أسَدٍ وغَطَفَان بأنّ مَنْ يُعَمَّرْ يَهْرَم ويَسْأم، فلعلّ الموت أفضل. وأنّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِالصُّلح ويخضع له يَرْضَ بالقتال ويتكبّد أعباءَه الثّقيلة:
    [وَمَنْ يَعْصِ أَطْرَافَ الزِّجَاجِ فَإِنَّـهُ يُطِيعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِ]
    والاستفادة من تجارب الحياة حتّى يميّز الإنسان بين الأصدقاء والأعداء [وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُوًّا صَدِيقَهُ]، والذّود عن العِرْضِ بحَدِّ السّلاح [وَمَنْ لاَ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاَحِهِ [...] يُهَدَّمْ]. وقد استعار الشّاعر الحَوْضَ –في هذا البيت- للدّلالة على الحَريم، ودعا إلى المصانعة والمداراة لتجنّب القهر وربّما الموت: [وَمَنْ لاَ يُصَانِعْ [...] يُضَرَّسْ [...] وَيُوطَأْ [...]، وحثّ على بذل المعروف وقايةً للعِرْض من الذّمّ [وَمَنْ يَجْعَلْ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ [...] يَفِرْهُ] (أي يُوَفِّره ويُتَمِّمْه).
    ولعلّ أبرز السّنن الإضافيّة التي تضافرت لأداء هذه المعاني المعطوفات. فقد كثّف الشّاعر منها وجعلها ظاهرة إنشائيّة مهيمنة، تحكّمت في توزيع الوحدات الحكميّة فأخرجتها في شريط من الصّور الذّهنيّة المتعاقبة، وعبّرت عن فحواها الاحتفائيّ فرغّبت في السّلم وحذّرت من الحرب.
    وكانت [الواو] -وقد وظّفها الشّاعر في الرّبط بين حِكَمِه- أكثرَ حروف العطف مرونةً في الاستخدام في هذا القسم الحكميّ لكثرة شيوعها فيه، وهذا يؤكّد ما ذهبنا إليه سابقاً من أنّ زهيراً مسكون بهاجس التّجويد والتّحكيك وصناعة الحوليّات.
    والعطف من الأبنية اللّغويّة التي تَتَّسِم بالانفتاح، ويتاح للمتكلِّم أن يَزُجَّ فيها من التّراكيب المعطوفة ما لا يدخل تحت حَصْرٍ أحياناً. لذلك كان لا بدّ للشّاعر من أن يضع حدًّا لنصّه ويُنْهِيَ قائمة حِكمِه، فعَزَفَ عن الرّبط بالواو وختم معلّقته بقوله:
    لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُــؤَادُهُ * فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ
    وهي حكمة مكثّفة تحيلُ على بلاغة الصّمت وصِفَة الكمال في المقال إذا كان مُطابِقاً لمقتضى الحال والمقام.
    هكذا قام هذا القسم الحكميّ على العطف، وقد كانت المعطوفات تشترك في حرف العطف، وهو الواو، وفي تحديد شروط الحياة السّلميّة، وهذا المعنى [السِّلْم] كالصّورة التي تتعدّد مكوِّناتها تعدّدَ المعطوفات التي مَتَى جمعناها وجَعَلْنَا بعضها بحذاء بعض، ارتدّت الكثرة إلى الوَحدة، ورَجَعَت الفروع إلى أَصْلٍ واحدٍ، يُمَجّد قيمة السِّلْم في ضوء قيم بدويّة قبليّة أغلبها جاهليّ.
    ورغم هيمنة النّزعة التّأمّليّة على هذه الأبيات الحكميّة فإنّها لم تعدم قيمة إنشائية مردّها إلى أمرين:
    1. بنيتها التّخييليّة: فاللّغة مَتَى أُجْرِيَتْ على وجه الحقيقة ذَهَبَ بريقُ الموضوع المُتَحَدَّث عنه وخَبَا وَهَجُهُ وانطفأ أَلَقُهُ، إذ الشّعر استعارة كُبرى.
    ففي قول زهير:
    وَمَنْ لاَ يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيــرَةٍ * يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِـــمِ
    تُبْنَى العبارة في البيت السابق على الاستعارة حيث استعار الشّاعر خفَّ البعير لِلْوَطْإ ممّا يدلّ على أنّ عالَم الشّاعر معقَّدٌ، قائم على الصّراع بين قيم البداوة، وأساسها الانفعال والتّوتّر في التّعامل مع الأحداث، وقيم الحضارة، وجوهرها الهدوء والمداراة والمجاملة والحيلة لمواجهة مشكلات الحياة. تحاول قيم الحضارة أن تقهر قيم البداوة بإعادة صياغتها وتشكيلها، وتسعى قيم البداوة إلى أن تفرض عناصرها الأوّليّة مادّةً وحيدةً لصياغة العالَم الجديد.
    تُبْنَى العبارة في البيت السابق على الاستعارة حيث استعار الشّاعر خفَّ البعير لِلْوَطْإ ممّا يدلّ على أنّ عالَم الشّاعر معقَّدٌ، قائم على الصّراع بين قيم البداوة، وأساسها الانفعال والتّوتّر في التّعامل مع الأحداث، وقيم الحضارة، وجوهرها الهدوء والمداراة والمجاملة والحيلة لمواجهة مشكلات الحياة. تحاول قيم الحضارة أن تقهر قيم البداوة بإعادة صياغتها وتشكيلها، وتسعى قيم البداوة إلى أن تفرض عناصرها الأوّليّة مادّةً وحيدةً لصياغة العالَم الجديد.
    2- بنيتها الإيقاعيّة: إنّ الإيقاع ينشأ في هذا القسم الحكميّ عن التّكرار التّركيبيّ، والإيقاع متّصل أشدّ الاتّصال بالتّوقّع والانتظار، ممّا يجعل المتلقّي في حالة دائمة من اليقظة والانتباه. ولكنّ الانتظار لا يَحْصل والتّنبيه لا يتحقّق إلاّ إذا تكرّر التّركيب نفسه ثلاث مرّات.

    وقد لاحظنا أنّ تكرار المناويل التّركيبيّة في هذه الأبيات الحكميّة يجري على صورة واحدة تقريباً ولا يكاد يتّخذ أشكالاً متنوّعة إلاّ في جزء من أجزاء المنوال التّركيبيّ المتوازي. فأداة الشّرط هي [مَنْ] تتكرّر في جلّ الأبيات الحكميّة يسبقها حرف العطف [الواو]، ويتلوها فعل مضارع مُثْبَـت [تُصِبْ / تُخْطِئْ / يَعْصِ / يُوفِ / يُفْضِ / يَجْعَلْ / يَغْتَرِبْ] أو منفيّ [لاَ يُصَانِعْ / لاَ يَذُدْ / لاَ يَظْلِمِ / لاَ يَتَّقِ / لاَ يُكَرَّمِ / لاَ يَزَلْ)
    ولئن حافظ الشّاعر على المناويل التّركيبيّة نفسها تقريباً فإنّ العلاقات الدّلاليّة الثّاوية وراء هذه المناويل التّركيبيّة أساسها التّقابل بين الشّرط وجوابه أي بين الدّعوة إلى ترك الموجود المفضي إلى الحرب والذّلّ والعَزْل... والسّعي إلى المنشود الهادف إلى السِّلْم والكَرَم وعزّة النّفس... على نحو ما نتبيّنه من العلامات النّصّيّة التّالية:
    [تُصبِ ¹ تُخْطِئ / تُمِتْ ¹ يُعَمَّرْ / اليَوْمَ ¹ الأَمْس / أَعْلَمُ ¹ عَمِ / فَضْل ¹ يَبْخَلْ / يَعْصِ ¹ يُطِعْ / الزٍّجاج ¹ العوالي / عَدُوَّا ¹ صديقـه / تخفي ¹ تعلم] فضـلاً عن أدوات النّــفي التي تقلــب معنى الفعـل: [لاَ يُصَانِعْ ¹ يُضَرَّسْ، يُوطَأ / لا يَتَّـقِ ¹ يُشْتَـمِ / لاَ يَـذُدْ ¹ يُهَـدَّم / لاَ يَظْلِمْ ¹ يُظْلَم / لاَ يُكَرِّم ¹ لَمْ يُكَرَّم].
    ولا شكّ في أنّ التّقابل متى تمّ التّعبير عنه بالتّوازي، كان أظهَرَ وأشدّ ممّا لو عُبِّر عنه بطرق أخرى، إذ يُخرج التّوازي هذه العناصر المتقابلة من المشهد الصّامت إلى المشهد النّاطق لما توفّر فيها من دلالات –وإن تعدّدت- فإنّها تتكامل وتتعاضد لأداء فكرة تجميل صورة السِّلم وتحبيبها وتقبيح صورة الحرب وتبغيضها أداءً مؤثّراً يَحْمل المتلقِّي على التّصديق بفحوى هذه الحِكَم والانتشاء بصياغتها الموقّعة، فيدفعه إلى الاقتناع بها والعمل بمقتضاها.
    وإذا كان ترديد صوت [الميم] والعطف بـ[الواو] والتّكرار التّركيبيّ والمقابلة ظواهر لغويّة تجري في هذا القسم من المعلّقة جريانها في سائر الكلام، فإنّ إنشائيّتها لا تكمن في استعمالها، وإنّما في التّكثيف منها والمواظبة على إجرائها والتّصرّف في إخراجها وتحقيق الإيقاع من خلالها وتطويعها لغرض القصيدة وتعليق الدّلالة بها وتحويلها نتيجة ذلك كلّه من ظواهر لغويّة مشتركة إلى أسلوب معتمد في الكتابة وعلامةٍ فارقة في إنشائية هذا القسم من المعلّقة.
    عبيطة بعض المشاعر تراها تقطع مسافات شاسعة بحثا عنه بينما هو بالقرب ينتظر أدنى التفاتة

  4. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    326

    افتراضي

    المحاضرة الثالثة عشرة

    تطبيقات
    للمنهج الإنشائي على معلقتين
    نواصل في هذه المحاضرة الثالثة عشرة تطبيق المنهج الإنشائي على النصوص الشعرية العربية، واخترنا في هذه المرة جزءاً من معلقة لبيد، وتحديداً القسم الذي وسمناه بـ (قصة البقرة المسبوعة) وهي التي أكل السبع ابنها؛ يقول الشاعر:
    حُفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ كَأَنَّهَــا أَجْزَاعُ بِيشَةَ أَثْلُهَا وَرِضَامُهَـا
    بَلْ مَا تَذَكَّرُ مِنْ نَوَارَ، وَقَدْ نَـــأَتْ، وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهَا وَرِمَامُهَــا
    بِطَلِيحِ أَسْفَارٍ، تَرَكْنَ بَقِيَّــــةً مِنْهَا، فَأَحْنَقَ صُلْبُهَا وَسَنَامُهَـــا
    أَوْ مُلْمِعٌ وَسَقَتْ لأَحْقَبَ لاَحَــهُ طَرْدُ الفُحُولِ، وَضَرْبُهَا، وَكِدَامُهَـا
    يَعْلُو بِهَا حَدَبُ الإِكَامِ مُسَحَّـــجٌ، قَدْ رَابَهُ عِصْيَانُهَا وَوِحَامُهَــــا
    بِأَحِزَّةِ الثَّلَبُوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَـــــا قَفْرَ المَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرَامُهَــــا
    وَرَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا، وَتَهَيَّجَـــتْ رِيحُ المَصَايِفِ سَوْمُهَا وَسِهَامُهَــا
    خَنْسَاءُ ضَيَّعَتِ الفَرِيرَ، فَلَمْ يَــــرِمْ، عُرْضَ الشَّقَائِقِ، طَوْفُهَا وَبُغَامُهَــا
    حَتَّى إِذَا يَئِسَتْ، وَأَسْحَقَ حَالِــــقٌ، لَمْ يُبْلِهِ إِرْضَاعُهَا وَفِطامُهَــــا
    فَغَدَتْ، كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أنَّـــهُ مَوْلَى المَخَافَةِ، خَلْفُهَا وَأَمَامُهَــا
    فَلَحِقْنَ، وَاعْتَكَرَتْ لَهَا مَدَرِيـَّةٌَ كالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّهَا وَتَمَامُهَــــا
    يلجأ لبيد في مطلع البيت الأوّل من هذه القصّة إلى المفاضلة بين قصّة الأتان وقصّة البقرة الوحشيّة بقوله: [أَفَتِلْكَ أَمْ وَحْشِيَّة] وأساس المفاضلة الاستفهام. وهو استفهام لاهثٌ، سريع لا يُشْفَعُ بعلامة السّؤال، ولكنّه يخدم استراتيجيّة الشّاعر في ترسيخ التّصميم الذي بنى عليه معلّقته وأساسه الرّبط –بآليّة التّكرار المدلوليّ- بين مفاصلها وتهيئة المواقع الملائمة لانتقالاتها وتفاعلاتها لِتوجيه المتلقِّي إليها. فأيُّهُما أشبَهُ بناقته، بل بتجربته؟ أأتانٌ واجهتْ صعوبات وصراعات دمويّة من أجل الوصول إلى منابع الماء؟ أم بقرة وحشيّة مسبوعة تواجه –بدورها- صراعاً دمويًّا مع الكلاب؟ ولكنّ المفاضلة بأداة الاستفهام تحتاج تبريراً وتعليلاً، فلئن اتّفقت القصّتان في فكرة النّجاة الفرديّة من مصادر الخطر، فإنّ القصّة الثّانية زادت على ذلك بالدّلالة المأسويّة على الفقد.
    فقد أكل السّبع ولد البقرة الوحشيّة فخسرته، تماماً، كما خسر الشّاعر نَوَار، لِقاءَ ظَفَرِ الأتان بحبيبها وانفرادها به في [عُرْضِ السَّرِيّ] من أجل حُبٍّ تحميه الطّبيعة ولكنّه لا يَعْدُو –في ما يُضمره الخطاب من إيحاءات- أن يكون حُلْماً جميلاً.
    ولئن استهلّ لبيد قصّة الأتان بدلالات الخِصْبِ والحياة فقدّمها للمتلقِّي [مُلْمِعاً وَسَقَتْ] واستبانَ حَمْلُها، فإنّه أعلن عن البقرة الوحشيّة بصفة الفقد التي لازمَتْها [مَسْبُوعَة] نتيجة موت ابنها، في غَفْلَةٍ عنها وقد تخلّفت عن القطيع من البقر الوحشيّ إلى منابع الماء [خَذَلَتْ وَهَادِيةُ الصُّوَارِ قِوَامُهَا] ممّا يضعها في علاقة صراعيّة مع الموت والتَّناهي. واتّخذت هذه العلاقة بُعدين:
    بُعْداً مأسَويًّا أساسه تصويرُ بشاعةِ القَتْل التي تعرّضَ لها [الغَرِير] وقد تنافست السّباع على جسده فمزّقته:
    خَنْسَاءُ ضَيَّعْتْ الغَرِيرَ فَلمْ يَـرْمِ عُرْضَ الشَّقَائِقِ طَوْفُهَا وَبُغَامُهَـا
    لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ، تَنَازَعَ شِلْــوَهُ غُبْسٌ كَوَاسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَـا
    · بُعْداً مُواجِهاً ذا وجهَيْن:
    َ بُعْداً مُواجِهاً أوّل : أساسُه الإصرارُ على العثور على الابن ومقاومة الموت، لذلك ظلّت البقرة الوحشيّة مقيمةً بـ[عُرْضِ الشّقائق]،
    مُلِحّةً في البحث [طَوْفُهَا وَبُغَامُهَا]، تواجه المطر الذي لا ينقطع [بَاتَتْ وَأَسْبَلَ وَاكِفٌ مِنْ دِيمَةٍ]، وتلوذُ بِأُصولِ الشّجر [تَجْتَافُ أَصْلاً قَالِصاً]. لكنّها شعرت بأنّها تقف على أرض مهزوزة [بِعُجُوبِ أَنْقَاءٍ يَمِيلُ هَيَامُهَا]، وهي صورة تُكرِّرُ تكراراً مدلوليًّا صورة الأرض الأطلال التي وقع عليها لبيد، وقد تناثرت. وما إنْ يَنْجَلِ الظّلام حتّى تعود البقرة الوحشيّة للبحث وقد أصرّت على مواجهة الموت سبعة أيّام بلياليها [سَبْعاً تُؤَاماً]، رغم وعيها بأنّ [المنايا لا تطيش سهامها]:
    حَتَّى إِذَا انْحَسَرَ الظَّلاَمُ، وَأَسْفَـرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرَى أَزْلاَمُهَـا
    عَلِهَتْ تَلَدَّدُ فِي نِهَاءِ صَعَائِــدٍ سَبْعاً تُؤَاماً كَامِلاً أَيَّامُهَـــا
    ولكنّ انتظارها خاب، وسعيها في العثور على ابنها فشل، فشعرت باليأس فتركت الرَّعْيَ وضمر ضرعها:
    حَتَّى إِذَا يَئِسَتْ، وَأَسْحَقَ حَالِــقٌ، لَمْ يُبْلِهِ إِرْضَاعُهَا وَفِطامُهَـا
    وهو يأسٌ شاع أمره في المعلّقة –بآليّة التّكرار المدلوليّ- إذ هو يَعْكِسُ يأس الشّاعر من امتلاك المكان أوّلاً ومن امتلاك نَوَار ثانياً.
    بُعْداً مُواجهاً ثانياً: ومداره على هاجس الخوف الذي ينتاب البقرة الوحشيّة من خطر الصّيّادين. وقد واجهت هذا الخطر بالهرب من النّبال أوّلاً وبقتال الكلاب المدرّبة على الصّيد ثانياً.
    حَتَّى إِذَا يَئِسَ الرُّمَاةُ، وَأَرْسَلُـوا غُضْفاً دَوَاجِنَ، قَافِلاً أَعْصَامُهَـا
    ولا يخفى ما في هذا الانتصار من دلالة مزدوجة: فهو يعني النّجاة من القَتْل من جهة والانتقام للابن من الحيوانات المفترسة، من جهة ثانية.
    فَتَقَصَّدَتْ عَنْهَا كَسابِ، فَضُرِّجَـتْ بِدَمٍ، وَغُودِرَ فِي المَكَرِّ سُخَامُهَـا
    لقد واجهت البقرة الوحشيّة السّباع والطّبيعة والكلاب والصّيّادين وصارعتهم صراعاً دامياً. وهذا يعني أنّ الحفاظ على الحياة يستوجب كفاحاً ويستدعي يقظة، إذ الغفلة عن مثل هذا الإدراك أو الوعي تقود إلى الموت –وقد تجسّد في موت الابن- باعتباره حقيقة مؤكّدة [إِنَّ المَنَاياَ لا تَطِيشُ سِهَامُهَا].
    وهكذا تتكرّر فكرة الكفاح والمقاومة من أجل الحياة تكراراً مدلوليًّا، فإذا كان انتصار الأتان تَمَّ بوُصولها إلى منابع الماء، فإنّ انتصار البقرة الوحشيّة كان بالصّمودِ وبقتل الأعداء الذين يُمثّلون خطراً دائماً وموتاً داهماً.
    ويعود الشّاعر باسم الإشارة [تلك] إلى الكلام على النّاقة التي تَراجع حضورها بحضور الأتان والبقرة الوحشيّة فغابت فيهما، وهو مؤشّر على ربط البداية بالنّهاية. فكأنّ نهاية قسم الرّحلة تكرّر ما قالته البداية عن النّاقة التي سار بها في رحلة مضادّة لرحلة نَوَار، عساها تُعيد له توازنه النّفسيّ وتحرّره من الخيبات السّابقة والنّكبات المتعدّدة وتحقّق له رؤيته وبغيته. فبهذه النّاقة التي أشبهت الأتان والبقرة الوحشيّة يقضي الشّاعر حوائجه في الهواجر وقد [رَقَصَ اللَّوَامِعُ بِالضُّحَى] يتحدّى حرّها ولا يُفرّط في طَلَبِ بُغْيَتِهِ [أَقْضِي اللّبَانَةَ لاَ أُفَرِّطُ رِيبَةً].
    إلاّ أنّ الشّاعر –وهو يستحضر صورة ناقته- فيلجأ إلى الوصف الاستعاديّ، يعترف ضمنيًّا بأنّ الرّحلة هي مواجهة للقهر الذي مارسه عليه الطّلل من جهة، ونَوَار من جهة ثانية، نتبيّن ذلك من البنية المعجميّة التي وظّفها في وصف المكان الذي تتحرّك فيه ناقته: [اللّوامع / السّراب / الإكام]، وهي بنية معجميّة تحيل على طبيعة جامدة ميسمها الجفاف والجدب وغياب الرؤية. على أنّ هذه العناصر المتوهّجة في الطّبيعة الجامدة لا توهن عزيمة الشّاعر ولا تصمد أمام إرادته، فتعلو نبرة التّحدّي على سطح النّصّ -بآليّة التّرديد المدلوليّ- وقد سبق له أن أعلن عنها في قوله متحدّياً نَوَار:
    فَاقْطَعْ لُبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُـهُ، *وَلَشَرُّ وَاصِلِ خُلَّةٍ صَرَّامُهَـــــا
    وَاحبُ المَجَامِلَ بِالجَزِيلِ، وَصَرْمُـهُ * بَاقٍ، إِذَا ظَلعَتْ وَزَاغَ قِوَامُهَـــا

    وتتعزّز بنية التّكرار المدلوليّ –وقد أضحت قاعدة تجري عليها الكتابة في هذه المعلّقة- بأسلوب التّوازي باعتباره مظهراً من مظاهر الإعادة والتّكرار أسْهَمَ في شعريّة اللّحظة الطّلليّة، وفي صناعة الإيقاع في قسم الرّحلة بتفاعله مع التّطريز أو التّوشيع بأن أضافَ الشّاعر إلى قافية الأبيات قافية أخرى تسبقها على نحو ما نلاحظه في المقطع الشعري الذي يصف قصة البقرة المسبوعة.
    فهذه الأبيات تقوم على التّوازي ببنائها والتّطريز بأسلوبها والاطّراد بوظيفتها. ومردّ هذا الاطّراد إلى التّعبير عن المعنى الواحد أو الصّورة الواحدة بلفظَيْن مترادفيْن أو متقابلَيْن أو متقاربيْن في المعنى، باجتماعهما تكتمل صورة الموصوف. فقد أبانت هذه المناويل التّركيبيّة –وهي تُقَسَّمُ إلى أطراف متوازية- عن تعلّق مقصد الشّاعر:
    · في البيت 15 بوصف الظَّعْن وقد جدّت في السّير ولمعت فبدت كمُنْعَطَفَاتِ وادي [بيشة] [أَثْلُها] و[رِضَامُها]، أي شجرها الضّخم وحجارتها العِظام.
    · وفي البيت 16 بوصف تقطّع أسباب وصال المحبوبة نَوَار، ما قَوِيَ منها وما ضعف [أَسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا]
    · وفي البيت 22 بوصف ظَهْر النّاقة وأَعْلاَها وقد ضَمَرَا، [صُلْبُهَا وَسَنَامُهَا].
    · وفي البيت 25 بوصف ال**** وهو يواجه الفحول التي استهدفت الأتان ويتصدّى لِضَرْبِها وعَضِّها [وَضَرْبُهَا، وَكِدَامُهَا].
    · وفي البيت 26 بوصف الأتان وقد شكَّكَه في أمرها عصيانها إياه في حال حَمْلِها، واشتهاؤه قبل ذلك، [عِصْيَانُهَا وَوِحَامُهَا].
    · وفي البيت 27 بوصف خوف ال**** من الأعلام التي يتخفّى الرّامي تحتها أو يستتر بها [خَوْفُهَا آرَامُهَا].
    · وفي البيت 30 بوصف قوّة الرّيح وشدّة حرّها وانقطاع الرّبيع ومجيء الصّيف والحاجة إلى ورود الماء [سَوْمُهَا وَسَهَامُهَا].

    • وفي البيت 37 بوصف قلق النّاقة وطوافها وصياحها طالبةً ولدَها في الأرض الغليظة بين رَمْلَتَيْن [طَوْفُهَا وَبُغَامُهَا].
    ·وفي البيت 50 بوصف قرون البقرة الوحشيّة بالحدّة والطّول [حَدُّهَا وَتَمَامُهَا].
    · أمّا البيت 49 فأقامه الشّاعر على توازي التّقابل وعماده مُقابلة لغويّة بين [خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا]. والتّقابل متى تمّ التّعبير عنه بالتّطريز في نطاق بينة التّوازي، كان أظْهَرَ ممّا لو عُبِّرَ عنه بطرق أخرى، وأَشَدَّ. وهذه المقابلة قائمة على معنى الحركة التي تقوى بموجب إحساس البقرة الوحشيّة بالخوف من الكلاب التي تطاردها، وتتفاعل بحيث إذا كان التّقابل ظاهرها فإنّ التّكامل باطنها. ولا يعدو أن يكون الأمر تنويعاً لصورة الخوف من الرّامي.
    بهذا يكون التّوازي القائم على أسلوب التّطريز بانياً لمعاني الصّورة الصّوتيّة والصّورة الذّهنيّة في قسم الرّحلة من المُعلّقة، واقفاً على تفاصيلهما راصِداً الأدلّة التّعيينيّة عليهما، معمِّقاً معانيهما مؤكِّداً إيّاهما، مُفصِّلاً أطرافهما منتظِماً إيقاعهما. وقد يتّسع مدى التّوازي المتفاعل مع التّطريز، ليصبح ذا بنية ثلاثيّة ماثلة في الأعجاز والصّدور، ومن أمثلة ذلك قول الشّاعر:
    بِأَحِزَّةِ الثَّلَبُوتِ يَرْبَأُ فَوْقَهَــــا قَفْرَ المَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرَامُهَــــا
    وقوله:
    وَرَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا، وَتَهَيَّجَــتْ رِيحُ المَصَايِفِ سَوْمُهَا وَسِهَامُهَــا
    وهذا ما جعل لتكرار التّوازي -متفاعلاً مع التّطريز- قيمة إيقاعيّة معتبرة، وقد لاحظنا أنّ الشّاعر يتفنّن في تغيير مواقع المتوازيات ومواضع حلولها وطرائق توزيعها، من ذلك أنّه إذا تخلّى عن التّطريز يوازي بين الصّدر والعجز على نحو ما نلاحظه في الأبيات التّالية:
    فَإِذَا تَعَالَى لَحْمُهَا، وَتَحَسَّـــرَتْ، وَتَقَطَّعْتْ بَعْدَ الكَلاَلِ خِدَامُهَـا
    صَادَفْنَ مِنْهُ غِرَّةً، فَأَصَبْنَهــــا؛ إِنَّ المَنَاياَ لا تَطِيشُ سِهَامُهَــا
    يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِـــــراً، فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَــا
    وَتَسَمَّعَتْ رِزَّ الأَنِيسِ، فَرَاعَهَــا عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ، وَالأَنِيسُ سَقَامُهَـا
    فالتّوازي بين [لَحْمُهَا / خِدَامُهَا]، [أَصَبْنَهَا / سِهَامُهَا]، [مَتْنِهَا / غَمَامُهَا]، [رَاعَهَا / سَقَامُهَا] لئن لم يكن تامًّا بين العناصر المتكرّرة، فإنّه أسهم في تنويع الإيقاع عبر الإعادة النّسبيّة التي تتلوّن فيها النّغمة وتتنوّع في كنف المماثلة التي يجسّمها إيقاع المقطع: [خِدَامُهَا / سِهَامُهَا / غَمَامُهَا / سَقَامُهَا].
    وهكذا فإنّ لبيداً يولي عناية بإيقاع معلّقته تظهر في مزيد تصنيع القافية بِجَعْلِهَا مُركَّبَةً بآليّة التّطريز، لا مفردة، ممّا يغني الإيقاع. وإنّ له اهتماماً –كذلك- بتنويع الإيقاع عبر تعزيز التّطريز بآليّة التّوازي بين الصّدر والعجز بحيث تصبح النّغمة نغمتين تحتلّ أولاهما حشو الصّدر وتستأثر الثّانية بموقع الختام. وهذا يعني أنّ الشّاعر يَجْمَعُ بين الحُسنيَيْن: حُسْنِ الختام تكون فيه القافية مُركّبة، مطرَّزَة، وحُسْنِ التّنويع في كنف المماثلة، ممّا يُوَلِّد حظًّا من الإيقاع أوْفَرَ ونَصِيباً مِنَ الصَّنْعَةِ أَكْبرَ.
    والحاصل ممّا سبق تحليله وتعليله أنّ التّكرار المدلوليّ وتكرار التّوازي لئن أسهَمَا في رسم هيئة القول الشّعريّ في المعلقّة وحدّداَ شكله وأنشآ إيقاعه وساعَدَا على حِفْظِه، فإنّ لهما دوراً في تكييف معناه وتقوية فحواه وشدّه إلى مناطق التّعبير والتّأثير ”فأنتَ تقول الشّيءَ وتُعِيدُه لا تَرْمِي من ذلك إلى التّحديد بل ترمي إلى السُّمُوّ بالكلمة وتحسينها“. وهذا يعني أنّ التّكرار ينهض بوظيفة التّأثير والتّعبير والإشعار بدل التّقرير والإخبار .
    عبيطة بعض المشاعر تراها تقطع مسافات شاسعة بحثا عنه بينما هو بالقرب ينتظر أدنى التفاتة

  5. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    326

    افتراضي

    المحاضرة الرابعة عشرة

    تطبيق المنهج الإنشائي
    على نصًّ نثريّ
    أكد ياكبسون في آخر منهجه الإنشائي أن هذا المنهج يمكن أن يطبق على بعض النصوص النثرية فضلاً عن النصوص الشعرية. لذلك تخيَّرنا هذا النص النثري لجبران خليل جبران وعنوانه (نشيد الأرض)، نحاول أن نختبر به المنهج الإنشائي، وقد أخذناه من كتاب (تحاليل أسلوبية) للأستاذ الدكتور محمد الهادي الطرابلسي.
    يقول جبران:
    (1) ما أجملك أيتها الأرض وما أبهاك.
    ما أتمّ امتثالك للنور وأنبلَ خضوعَكِ للشمس.
    ما أظرفَك مُتّشِحة بالظلّ وما أملحَ وجهَكِ مقنّعاً بالدجى.
    ما أعذَب أغاني فجرِك وما أهوَل تهاليلِ مسائِك.
    ما أكمَلَك أيّتها الأرض وما أسناك.
    (2) لقد سرتُ في سهولك، وصَعَدتُ على جبالك، وهَبطْتُ إلى أوديتك، وتسلّقتُ صخورَك، ودخلت كهوفَك، فعرفت حِلْمك في السهل، وأنفتك على الجبل، وهدوءك في الوادي، وعزمَك في الصخر، وتكتّمكِ في الكهف، فأنتِ أنتِ المنبسطة بقوّتها، المتعالية بتواضعها، المنخفضة بعلوّها، اللّينة بصلابتها، الواضحة بأسرارها ومكنوناتها.
    (3) لقد ركبتُ بحارك، وخضتُ أنهارك، وتتبعتُ جداولكِ، فسمعت الأبديّة تتكلّم بمدّك وجزرك، والدهورَ تترنّم بين هضابك وحزونِك، والحياة تناجي الحياة في شُعبك ومنحَدَراتك، فأنت أنت لسان الأبديّة وشفاهها، وأوتارُ الدهور وأصابعها، وفكرة الحياة وبيانها.
    (4) لقد أيقظني ربيعك وسيرني إلى غاباتك حيث تتصاعد أنفاسك بخوراً، وأجلسني صيفك في حقولك حيث يتجوهر إجهادك أثماراً، وأوقفني خريفك في كرومك حيث يسيل دمك خمراً، وقادني شتاؤك إلى مضجعك حيث يتناثر طهركك ثلجاً، فأنت أنت العطرة بربيعها، الجوادة بصيفها، الفيّاضة بخريفها، النقيّة بشتائها.
    البدائع والطرائف
    بنية الموضوع
    يتكون هذا النص من أربع فقرات متقاربة الحجم، بيّنة الحدود مختلفة في الصفة والوظيفة، فهي تنتظم أولاً في شقين متقابلين: شقّ اعتباريّ وتمثله الفقرة الأولى وشقّ اختباري وتمثّله الفقرات الثلاث المتبقية، ذلك أن الكاتب جمع في النص بين الموقف الذاتي إذ بدا منبهراً بالأرض مقرّا بعظمتها ممجداً حقيقتها، والموقف الموضوعي إذ بدا متمرّساً بها مجرّباً لمظاهرها، محققاً في ظواهرها ولذلك قام القسم الاعتباري على الأسلوب الإنشائي وأفاد التحقيق والاستنتاج وقد خضعت الوحدات الكلامية في الفقرة الاولى لمنوال واحد في البناء مما يُبيّن أن في النص اتجاهاً في المبنى والمعنى إلى تطويع أحدهما للآخر وفي الكتابة إلى السموّ بالكلام إلى درجة القول الشعري. فكانت بدايات الجمل ونهايتها، كبدايات الفقرات ونهاياتها مفاتيح وأقفالاً لا يرد ما بينها من حشو إلا مقولباً مقيساً، مقننا مدروساً.
    بنية الأرض
    والنص على كلّ حال بمثابة النشيد هو نشيد الأرض.
    رسم بنية الموضوع:
    بنية ثنائية:
    ف.1: قسم اعتباري، قائم على الأسلوب الإنشائي ويفيد المناجاة:
    ما أجملك ........ ما أبهاك
    ما أتّم امتثالك ....... ما أنبل خضوعك
    ما أظرفك ..... ما أملح وجهك .....
    ما أعذب ........... ما أهول .....
    ما أكملك ........... ما أسناك
    ما أفعل / ما أفعلك ما أفعل / ما أفعلك
    ف.2 و3 و4: قسم اختباري، قائم على الأسلوب الخبري ويفيد التحقيق والاستنتاج. جميع فقرات هذا القسم موحدة التركيب في بداياتها وكذلك في نهاياتها:
    ف.1 فقد سرت....
    البداية ف.2 لقد ركبت....
    ف.3 لقد أيقظني....
    ف.1 فأنتِ أنتِ المنبسطة بقوّتها......
    النهاية ف.2 فأنتِ أنتِ لسان الأبدية.....
    ف.3 فأنتِ أنتِ العطرة بربيعا....
    2) بنية ثلاثية:
    ف.1: اعتبار لجمالها في المطلق المتكلم "متفاعل" : ما أجملك.... وما أبهاك!
    ف.2 و3:اختبار لجمالها في المكان المتكلم فاعل: سرت في سهولك...لقد ركبت بحارك..
    ف4: اختبار لجمالها في الزمان المتكلم مفعول: لقد أيقظني ربيعك.... وأجلسني صيفك....
    البنية المعجمية:
    ولعلّ البنية المعجمية أكثر بنى النص اختلافاً في التركيب وأوضحها ائتلافاً في المعنى.
    فقد قامت وحدات الكلام في الفقرة الأولى على التوازي بين طرفين في كل واحدة منها فلم تأت الكلمة المفتاح في طرف إلا متبوعة بكلمة مثلها في الطرف الثاني. فلما كانت وحدات الفقرة خمسة أزواج كانت جملة الكلمات المفاتيح عشر كلمات جميعها على وزن أفعل يصل بين كل اثنين منها الترادف أو التقارب في الدلالة ويربط بينها جميعاً معنى منتهى الجمال أو الكمال، وقد استهل الكاتب سلسلة الأزواج بكلمة "أجمل" وختمها بكلمة "أكمل" وبين الكلمتين ترادف ازدواجي يحيلنا على وحدة الأصل فيهما صوتاً ومعنى،
    ومعنى،إذ لا يفصل بين الجيم في أجمل والكاف في أكمل إلا الشدّة في الجيم (بتقدير نطقها ق كما في أصل العربية) والهمس في الكاف، أمّا المعنى فواحد وهو التسبيح للأرض "أنتِ الجمال" تسبيحاً سيقوى من فقرة إلى أخرى.
    لكنّ التسبيح بالقول تحوّل في الفقرة الثانية إلى تعبّد بالفعل إن جاز التعبير (سرت- صعدت- هبطت- تسلقت- دخلت) فخلص المسبّح إلى برد اليقين (عرفت) بالمثل العليا في حقائق الوجود (الحِلمِ- الأنفة- الهدوء- العزم- التكتم) قبل أن يعود لسانه إلى التلفظ بصور أخرى من عبارات التسبيح (فأنتِ أنتِ المنبسطة بقوّتها...).

    وفي ذلك بيان لكيفية استخراج المعلوم من المجهول واتجاه إلى إصدار قوانين وضبط أحكام عن طريق تحويل مثيلات الجمل التالية:
    إذا سرت إلى الحِلم عرفت القوة في الانبساط
    إذا صعدت إلى الأنفة عرفت التواضع في التعالي
    إذا هبطت إلى الهدوء عرفت العلوّ في الانخفاض
    والمتكلم في كل ذلك يعامل الأرض معاملة المثال.
    وفي الفقرة الثانية اطّردت سلسلة أخرى من الأفعال: (ركبت- خضت- تتبّعت) انتهى فاعلها إلى المعرفة الحسيّة: (سمعت) بأسرار الخلود: (الأبدية تتكلّم...- الدهور تترنّم... الحياة تناجي...) في كائنة الأرض، صورة واجب الوجود: (الأبدية= الدّهور= الحياة) فإذا الأرض مثال ذو جلال. وتلك حقيقة أدركها عن طريق التحويل في الجمل التالية:
    إذا ركبت ... سمعت الأبدية تتكلّم وأنتِ لسان الأبدية.
    إذا خضت ... سمعت الدهور تترنّم، وأنتِ أوتار الدهور.
    إذا تتبعت ... سمعت الحياة تناجي...، وأنت فكرة الحياة.
    وما كان في الفقرة الأولى تلقّيا فطريّا لحقيقة الأرض وجمالها وتجربة شخصية ذهنية وحسيّة في الفقرتين الثانية والثالثة تحوّل عطاء موضوعيّا في الفقرة الأخيرة، حيث سخّرت الأرض صاحبَ التجربة ليعرفها بكيانه في مواقف وهبته فيها نفسها. لذلك كان هو مفعولاً لأحوالها في ترتيبها الزمنيّ المحكم (أيقظني ربيعك- أجلسني صيفك- أوقفني خريفك- قادني شتاؤك)، وكانت هي محور عملية الخلق والعطاء (تتصاعد أنفاسك بخوراً- يتجوهر إجهادك أثماراً- يسيل دمك خمراً- يتناثر طهرك ثلجاً)، فحصل بين الكيانين تفاعل جمع بينهما على أساس التوحيد لا على أساس التعديد فأصبح التسبيح معه. تسبيحاً بالهيئة لا تسبيحاً بالقول والفعل فقط، إذ كانت الأرض صورة للكمال مجسّمة: (فأنتِ أنتِ العطرة بربيعها، الجوّادة بصيفها، الفيّاضة بخريفها، النقية بشتائها).
    عبيطة بعض المشاعر تراها تقطع مسافات شاسعة بحثا عنه بينما هو بالقرب ينتظر أدنى التفاتة

الصفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

تعليمات المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •