الصفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
عرض النتائج 21 إلى 30 من 38

الموضوع: ¬» كل ما يخص مقرر ◦ [ التفسير 2 ] ◦

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    العمر
    27
    المشاركات
    3,658

    Pen ¬» كل ما يخص مقرر ◦ [ التفسير 2 ] ◦




    هنا لـــــــــــ مناقشة وإضافة كل ما يخص مقرر

    [ التفسير 2 ]

    من [ محاضرات مسجلةملخصاتواجباتقضاياالمناقشةنقل أهم ماجاء في اللقاءات المباشرة ]

    ليسهل الوصول إليها وتعم الفائدة على الجميع ...



    بتعاونكم تثمر الجهود

    تغريــد

    [2014] English language department - graduate ...{

    ܓܛܟ



    • my god take everything and give me only one request ,

      take all sweet of years .. make it a gift for my mom




  2. #21
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة السادسة: المقطع الخامس:
    تعقيبات على قصة أصحاب الكهف.

    :
    قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً{28} وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً{29} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً{30} أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ

    أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً{31}}.
    {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} احبِسها وثبِّتها مصاحِبةً مَعَ الدائبين على الدعاء في جميع الأوقاتِ، والمرادُ بهم فقراءُ المؤمنين مثلُ صُهيبٍ وعمارٍ وخبابٍ ونحوِهم رضي الله عنهم، وقد قال قومُ نوحٍ عليه السلام: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ }الشعراء111. والتعبيرُ عنهم بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز الصلة
    من الخَصلة الداعيةِ إلى إدامة الصحبة. {يُرِيدُونَ} بدعائهم ذلك الصحبة { وَجْهَهُ} حالٌ من المستكنِّ في يدْعون أي: مريدين لرضاه تعالى وطاعته، {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي: لا يجاوِزْهم نظرُك إلى غيرهم، مِن عدَاه أي: جاوزه، واستعمالُه بعن لتضمينه معنى النبوِّ أو لا تصرِفْ عيناك النظرَ عنهم إلى غيرهم، من عدَوتُه عن الأمر أي: صرفتُه عنه على أن المفعولَ محذوفٌ لظهوره، والمرادُ نهيُه عليه السلام عن الازدراء بهم لرثاثة زِيِّهم طموحاً إلى زِيّ الأغنياء {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: تطلب مجالسةَ الأشراف والأغنياءِ وأصحابِ
    الدنيا، وهي حالٌ من الكاف على الوجه الأولِ،
    {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} في تنحية الفقراءِ عن مجالسك مَنْ جعلناه غافلاً لبطلان استعدادِه للذكر بالمرة عَن ذِكْرِنَا كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراءِ عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقاتِ، وفيه تنبيهٌ على أن الباعثَ له على ذلك الدعاءِ غفلةُ قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكُه في الحسيات حتى خفيَ عليه أن الشرفَ بحِلْية النفس لا بزينة الجسد،
    {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} ضيَاعاً وهلاكاً أو متقدماً للحق والصواب نابذاً له وراءَ ظهره، من قولهم: فرسٌ فرُطٌ أي: متقدِّمٌ للخيل أو هو بمعنى الإفراط والتفريطِ فإن الغفلةَ عن ذكره سبحانه تؤدّي إلى اتباع الهوى المؤدِّي إلى التجاوز والتباعُدِ عن الحق والصواب،
    والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة.
    {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} لأولئك الغافلين المتبعين هواهم ما أوحيَ إليَّ الحقُّ لا غيرُ كائناً من ربكم، أو الحقُّ المعهودُ من جهة ربكم لا من جهتي حتى يُتصور فيه التبديلُ أو يُمكنَ الترددُ في اتباعه وقوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} إما من تمام القولِ المأمورِ به والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد لا لتفريعه عليه كما في قوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }ص3. وفيه من التهديد وإظهارِ
    الاستغناءِ عن متابعتهم وعدمِ المبالاةِ بهم وبإيمانهم وجوداً وعدماً ما لا يخفى، وإما تهديدٌ من جهة الله تعالى والفاء لترتيب ما بعدها من التهديد على الأمر لا على مضمون المأمورِ به، والمعنى قل لهم ذلك، وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدِّقَك فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفُر به أو يكذِّبَك فيه فليفعل، فقوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} وعيدٌ شديدٌ وتأكيدٌ للتهديد وتعليلٌ لما يفيده من الزجر عن الكفر أو لما يُفْهم من ظاهر التخييرِ من عدم المبالاةِ بكفرهم وقلةِ الاهتمامِ بزجرهم عنه، فإن إعدادَ جزائِه من دواعي الإملاءِ والإمهالِ، وعلى الوجه الأول هو تعليلٌ للأمر بما ذكر من التخيير التهديديِّ أي: قل لهم ذلك إنا أعتدنا {لِلظَّالِمِينَ} أي: هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه، والتعبيرُ عنهم
    بالظالمين للتنبيه على أن مشيئةَ الكفر واختيارَه تجاوزٌ عن الحد ووضعٌ للشيء في غير موضعه {إنَاراً} عظيمةً عجيبة {أَحَاطَ بِهِمْ} أي: يحيط بهم، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على التحقق { وَإِن يَسْتَغِيثُوا} من العطش { يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ } كالحديد المذاب، { يَشْوِي الْوُجُوهَ} إذا قدم ليُشرَب انشوى الوجهُ لحرارته. {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً} ذلك وَسَاءتْ النار متكأً، وأصل الارتفاقِ نصبُ المِرْفقِ تحت الخد وأنى ذلك في النار، وإنما هو بمقابلة قوله تعالى: {أنِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً }
    {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} في محل التعليلِ للحث على الإيمان المنفهِم من التخيير، كأنه قيل: وللذين آمنوا، ولعل تغييرَ سبكه للإيذان بكمال تنافي مآليْ الفريقين أي: إن الذين آمنوا
    بالحق الذي أوحيَ إليك {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} حسبما بين في تضاعيفه {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} خبرُ إن الأولى هي الثانيةُ مع ما في حيزها والراجعُ محذوفٌ أي: من أحسنَ منهم عملاً، {أُوْلَئِكَ} المنعوتون بالنعوت الجليلة { لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} استئنافٌ لبيان الأجر، أو هو الخبرُ وما بينهما اعتراضٌ أو هو خبرٌ بعد خبر {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} من الأولى ابتدائيةٌ والثانيةُ صفةٌ لأساور والتنكيرُ للتفخيم وهو جمعُ أَسوِرة أو إسْوار جمع سِوار {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً} خُصت الخُضرة بثيابهم لأنها أحسنُ الألوان وأكثرُها طراوة {مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} أي: مما رقّ من الديباج
    وغلُظ، جمعَ بين النوعين للدِلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفسُ وتلَذّ الأعين
    {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} على السرُر على ما هو شأن المتنعمين {نِعْمَ الثَّوَابُ} ذلك {وَحَسُنَتْ} أي: الأرائك {مُرْتَفَقاً} أي: متكأ.

    5
    المحاضرة السابعة: المقطع السادس:
    المشهد الأول من قصة أصحاب الجنتين

    :
    قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً{32} كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً{33} وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً{34}}. {وَاضْرِبْ لَهُم} أي: للفريقين الكافر والمؤمن {مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} مفعولان لاضربْ أولُهما ثانيهما لأنه المحتاجُ إلى التفصيل والبيان
    أي: اضرب للكافرين والمؤمنين لا من حيث
    أحوالُهما المستفادةُ مما ذكر آنفاً من أن للأولين في الآخرة كذا بل من حيث عصيانُ الأولين مع تقلبهم في نعم الله تعالى وطاعةِ الآخرين مع مكابدتهم مشاقَّ الفقر مثلاً حالَ

    رجلين مقدرَين أو محققَين هما أخوان من بني إسرائيلَ أو شريكان: كافرٌ ومؤمنٌ اقتسما ثمانيةَ آلافِ دينار فاشترى الكافرُ بنصيبه ضِياعاً وعَقاراً وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه المبارِّ فآل أمرُهما إلى ما حكاه الله تعالى، {جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا} وهو الكافر {جَنَّتَيْنِ} بساتين {مِنْ أَعْنَابٍ} من كروم متنوعة والجملة بتمامها بيانٌ للتمثيل أو صفةٌ لرجلين {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي: جعلنا النخل محيطةً بهما مؤزَّراً بها كرومُهما، {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} وسطهما {زَرْعاً} ليكون كلٌّ منهما جامعاً للأقوات والفواكهِ متواصلَ العِمارة على الهيئة الرائقةِ
    والوضعِ الأنيق، {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} ثمرَها وبلغت مبلغاً صالحاً للأكل، {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ} لم تنقُص من أُكُلها {شَيْئاً} كما يعهد ذلك في سائر البساتينِ فإن الثمارَ غالباً تكثُر في عام وتقِلُّ في آخر، وكذا بعضُ الأشجارِ يأتي بالثمر في بعض الأعوامِ دون بعض {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا فيما بين كلَ من الجنتين {نَهَراً} على حِدَة ليدوم شربُهما ويزيد بهاؤهما، ولعل تأخير ذكر تفجيرِ النهر عن ذكر إيتاءِ الأكلِ مع أن الترتيب الخارجيَّ على العكس للإيذان باستقلال كلَ من إيتاء الأكل وتفجيرِ النهر في تكميل محاسنِ الجنتين كما في قوله تعالى:
    ، والوضعِ الأنيق، {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} ثمرَها وبلغت مبلغاً صالحاً للأكل، {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ} لم تنقُص من أُكُلها {شَيْئاً} كما يعهد ذلك في سائر البساتينِ فإن الثمارَ غالباً تكثُر في عام وتقِلُّ في آخر، وكذا بعضُ الأشجارِ يأتي بالثمر في بعض الأعوامِ دون بعض {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا فيما بين كلَ من الجنتين {نَهَراً} على حِدَة ليدوم شربُهما ويزيد بهاؤهما، ولعل تأخير ذكر تفجيرِ النهر عن ذكر إيتاءِ الأكلِ مع أن الترتيب الخارجيَّ على العكس للإيذان باستقلال كلَ من إيتاء الأكل وتفجيرِ النهر في تكميل محاسنِ الجنتين كما في قوله تعالى:
    {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }البقرة266 ونحوها، ولو عُكس لانفهم أن المجموعَ خَصلةٌ واحدة بعضُها مترتبٌ على بعض فإن إيتاءَ الأكلِ متفرِّعٌ على السقْي عادةً، وفيه إيماءٌ إلى أن إيتاء الأكلِ لا يتوقف على السقى كقوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
    }النور35 {وَكَانَ لَهُ} لصاحب الجنتين {ثَمَرٌ} أنواعٌ من المال غيرُ الجنتين، من ثمر مالَه إذا كثّره، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو جميعُ المال من الذهب والفضة والحيوانِ وغير ذلك، {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} المؤمن{وَهُوَ} أي: القائلُ { يُحَاوِرُهُ} أي: صاحبَه المؤمنَ وإن جاز العكسُ أي: يراجعه في الكلام من حار إذا رجع {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} حشَماً وأعواناً أو أولاداً ذُكوراً لأنهم الذين ينفِرون معه.

    5
    المحاضرة الثامنة: (المقطع السابع)
    المشهد الثاني من قصة أصحاب الجنتين والتعقيب عليها

    :
    قوله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً{35} وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً{36} قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً{37} لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً{38} وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً{39} فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً{40} أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً}

    َ

    {4} وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً{42} وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً{43} هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً{44} وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً{45}}.


    {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} التي شُرحت أحوالُها وعَدَدُها وصفاتُها وهيآتُها، وتوحيدها إما لعدم تعلق الغرَضِ بتعددها، وإما لاتصال إحداهما بالأخرى، وإما لأن الدخولَ يكون في واحدة فواحدة {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} ضارٌّ لها بعُجبه وكفره{قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من ذكر دخولِ جنته حالَ ظلمِه لنفسه، كأنه قيل: فماذا قال إذ ذاك؟ فقيل قال: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ} الجنةُ أي: تفنى {أَبَداً}لطول أملِه وتمادي غفلتِه واغترارِه بمُهلته، ولعله إنما قاله بمقابلة موعظةِ صاحبِه وتذكيرِه بفناء جنّتيه ونهيِه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل

    الباقيات الصالحات، {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} كائنةً فيما سيأتي {وَلَئِن رُّدِدتُّ} بالبعث عند قيامها كما تقول {إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ}يومئذ {خَيْراً مِّنْهَا} أي: من هذه الجنةِ، {مُنقَلَباً} مرجعاً وعاقبةً، ومدارُ هذا الطمعِ واليمينِ الفاجرةِ اعتقادٌ أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامتِه عليه سبحانه ولم يدرِ أن ذلك استدراجٌ، {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} استئناف كما سيق{وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} جملةٌ حاليةٌ كما مر فائدتُها التنبيهُ من أول الأمرِ على أن ما يتلوه كلامٌ معتنًى بشأنه مسوقٌ للمحاورة {أَكَفَرْتَ} حيث قلت: ما
    أظن الساعةَ قائمةً { بِالَّذِي خَلَقَكَ} أي: في ضمن خلقِ أصلِك {مِن تُرَابٍ } فإن خلْقَ آدمَ عليه السلام منه متضمّنٌ لخلقه منه لِما أن خلقَ كل فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرتُه الشريفةُ مقصورةً على نفسه، بل كانت أُنموذجاً منطوياً على فطرة سائرِ أفرادِ الجنسِ انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجريان آثارِها على الكل، فكان خلْقُه عليه السلام من التراب خَلْقاً للكل منه، وقيل: خلقَك منه لأنه أصلُ مادتِك إذ به يحصُل الغذاءُ الذي منه تحصل النطفةُ فتدبر {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} هي مادتُك القريبة فالمخلوقُ واحدٌ والمبدأُ متعددٌ {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أي: عَدلك وكمّلك إنساناً ذكراً أو صيّرك رجلاً
    والتعبيرُ عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية ما حيز الصلة لإنكار الكفرِ والتلويحِ بدليل البعثِ الذي نطق به قولُه عز من قائل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }الحج5.
    {لَّكِنَّا} أصله لكنْ أنا، و {هُوَ}ضميرُ الشأن وهو مبتدأٌ خبرُه {اللَّهُ رَبِّي}وتلك الجملةُ خبرُ
    أنا والعائدُ منها إليه الضميرُ، ومدارُ الاستدراك قوله تعالى: {أَكَفَرْتَ} كأنه قال: أنت كافرٌ لكني مؤمنٌ موحّد {وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً } فيه إيذانٌ بأن كفرَه كان بطريق الإشراك، {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ} أي: هلاّ قلت عندما دخلتَها، وتقديمُ الظرف على المحضَّض عليه للإيذان بتحتّم القولِ في آن الدخولِ من غير ريث لا للقصر{مَا شَاء اللَّهُ} أي: الأمرُ ما شاء الله والمرادُ تحضيضُه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها {لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} أي: هلا قلت ذلك اعترافاً بعجزك وبأن ما تيسر لك من عِمارتها وتدبيرِ أمرِها إنما هو بمعونته تعالى وإقداره عن النبي صلى الله عليه
    وسلم: (من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوةَ إلا بالله لم يضُرَّه) {إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً} والجملةُ مفعولٌ ثانٍ للرؤية أو حالٌ وفي قوله تعالى: {وَوَلَداً } نُصرةٌ لمن فسر النفرَ بالولد. {فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ} هو جوابُ الشرط والمعنى إن ترنِ أفقرَ منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلِبَ ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزُقني لإيماني جنةً خيراً من جنتك ويسلُبَك لكفرك نعمتَه ويُخْرِب جنتك {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً} هو مصدرٌ بمعنى الحِساب كالبُطلان والغفران أي: مقداراً قدره تعالى وحسَبه،
    وهو الحكمُ بتخريبها، {مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً}مصدر أريد به المفعولُ مبالغةً أي: أرضاً ملساء يُزْلَق عليها لاستئصال ما عليها من البناء والشجر والنبات. {أَوْ يُصْبِحَ} عطف على قوله تعالى: {فَتُصْبِحَ}، وعلى الوجه الثالث على يرسلَ
    {مَاؤُهَا غَوْراً} أي: غائراً في الأرض أُطلق عليه المصدرُ مبالغة { فَلَن تَسْتَطِيعَ} أبداً {لَهُ} أي: للماء الغائرِ {طَلَباً} فضلاً عن وجدانه وردِّه. {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أُهلك أموالُه المعهودةُ من جنتيه وما فيهما، وأصلُه من إحاطة العدوِّ، وهو عطفٌ على مقدر، كأنه قيل: فوقع
    بعضُ ما توقع من المحذور وأُهلك أمواله، وإنما حُذف لدِلالة السباقِ والسياقِ عليه كما في المعطوف عليه بالفاء الفصيحة {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} ظهراً لبطن وهو كنايةٌ عن الندم، كأنه قيل: فأصبح يندم {عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا}أي: في عِمارتها من المال، ولعل تخصيصَ الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما أنه إنما يكون على الأفعال الاختياريةِ، ولأن ما أنفق في عِمارتها كان مما يمكن صيانتُه عن طوارق الحدَثانِ وقد صرفه إلى مصالحها رجاءَ أن يتمتعَ به، وكان يرى أنه لا تنالها أيدي الردَى، ولذلك قال: {مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} فلما
    ظهر له أنها مما يعتريه الهلاكُ ندم على ما صنع بناءً على الزعم الفاسدِ من إنفاق ما يمكن ادخارُه في مثل هذا الشيءِ السريع الزوال،
    {وَهِيَ} أي: الجنةُ من الأعناب المحفوفةِ بنخل{خَاوِيَةٌ} ساقطةٌ {عَلَى عُرُوشِهَا} أي: دعائمها المصنوعةِ للكروم لسقوطها قبل سقوطِها، وتخصيصُ حالها بالذكر دون النخل والزرعِ إما لأنها العُمدةُ وهما من متمماتها، وإما لأن ذكرَ هلاكِها مغنٍ عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مُشيَّدةٌ بعروشها فهلاكُ ما عداها بالطريق الأولى، وإما لأن
    الإنفاقَ في عمارتها أكثرُ {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } عطف على {يُقَلِّبُ}أو حالٌ من ضميره أي: وهو يقول: {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } كأنه تذكر موعظةَ أخيه وعلم أنه إنما أُتيَ من قِبل شِرْكِه فتمنى لو لم يكن مشركاً فلم يُصبْه ما أصابه. قيل: ويحتمل أن يكون ذلك توبةً من الشرك وندَماً على ما فرَط منه.{وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ} يقدِرون على نصره بدفع الإهلاكِ أو على رد المهلِك أو الإتيانِ بمثله،
    {مِن دُونِ اللَّهِ}فإنه القادرُ على ذلك وحده {وَمَا كَانَ مُنتَصِراً }في نفسه ممتنعاً بقوته عن
    انتقامه سبحانه،{هُنَالِكَ} في ذلك المقامِ وفي تلك الحال { الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } أي: النُصرة له وحده لا يقدِر عليها أحدٌ فهو تقريرٌ لما قبله، أو ينصُر فيها أولياءَه من المؤمنين على الكفرة كما نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمنَ، ويعضُده قوله تعالى: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً} أي: لأوليائه، وقرىء الوِلاية بكسر الواو ومعناها الملكُ والسلطانُ له عز وجل لا يُغلَب ولا يُمتَنع منه أو لا يُعبد غيرُه كان عن اضطرار وجزَعٍ عمّا دهاه،{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: واذكر لهم ما يُشبهها في زَهْرتها ونَضارتها وسرعةِ زوالها لئلا
    يطمئنوا بها ولا يعكُفوا عليها ولا يَضرِبوا عن الآخرة صفحاً بالمرة، أو بيِّنْ لهم صفتَها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثَل ،{كَمَاء} استئنافٌ لبيان المثَل أي: هي كماء {أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} ويجوز كونُه مفعولاً ثانياً لاضْربْ على أنه بمعنى صيّر{فَاخْتَلَطَ بِهِ} اشتبك بسببه { نَبَاتُ الْأَرْضِ} فالتفّ وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه، أو نجَع الماءُ في النبات حتى روِيَ ورفّ، فمقتضى الظاهرِ حينئذ فاختلط بنبات الأرض، وإيثارُ ما عليه النظمُ الكريمُ عليه للمبالغة في الكثرة فإن كلاًّ من المختلِطَين موصوفٌ بصفة صاحبِه {فَأَصْبَحَ} ذلك
    النباتُ الملتفُّ إثرَ بهجتها ورفيفِها {هَشِيماً} مهشوماً مكسوراً {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} تفرّقه، يكون أخضرَ وارفاً ثم هشيماً تطيِّره الرياحُ كأن لم يغْنَ بالأمس.
    {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} من الأشياء التي من جملتها الإنشاءُ والإفناءُ
    {مُّقْتَدِراً} قادراً على الكمال.

  3. #22
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة التاسعة: (المقطع الثامن):
    بعض مشاهد البداية والنهاية
    :
    قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً{46} وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً{47} وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً{48} وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً{49} وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ َ

    الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً{50} مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً{51} وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً{52} وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً{53}}.
    {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بيانٌ لشأن ما كانوا يفتخِرون به من محسّنات الحياة الدنيا، كما قال الصاحب الكافرُ: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } إثرَ بيانِ شأن الحياة

    الدنيا نفسها بما مر من المثَل، وتقديمُ المال على البنين مع كونهم أعزَّ منه كما في الآية المحكية آنفاً وقولِه تعالى: {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} وغيرِ ذلك من الآيات الكريمة لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمدادِ وغيرِ ذلك وعمومِه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات، فإنه زينةٌ ومُمِدٌّ لكل أحد من الآباء والبنين في كل وقت وحين، وأما البنون فزينتُهم وإمدادُهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ مبلغَ الأبوّة، ولأن المالَ مناطٌ لبقاء النفس والبنين لبقاء النوع،
    ولأن الحاجةَ إليه أمسُّ من الحاجة إليهم، ولأنه أقدرُ منهم في الوجود، ولأنه زينةٌ بدونهم من غير عكس فإن من له بنونَ بلا مال فهو في ضيقِ حالٍ ونكال. وإفرادُ الزينة مع أنها مسنَدةٌ إلى الإثنين لما أنها مصدرٌ في الأصل أطلق على المفعول مبالغةً كأنهما نفسُ الزينة، والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين شيءٌ يُتزيّن به في الحياة الدنيا وقد عُلم شأنُها في سرعة الزوالِ وقُربِ الاضمحلال فكيف بما هو من أوصافها التي شأنُها أن تزول قبل زوالِها. {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} هي أعمالُ الخير مطلقا، وعلى كل تقدير يدخُل فيها أعمالُ فقراءِ المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة
    والعشى يريدون وجهَه دخولاً أولياً، أما صلاحُها فظاهرٌ وأما بقاءُ عوائدِها عند فناءِ كلِّ ما تطمح إليه النفسُ من حظوظ الدنيا{خَيْرٌ} أي: مما نُعت شأنُه من المال والبنين، وإخراجُ بقاءِ تلك الأعمالِ وصلاحِها مُخرَجَ الصفات المفروغِ عنها مع أن حقَّهما أن يكونا مقصودَي الإفادةِ لا سيما في مقابلة إثباتِ الفناء لما يقابلها من المال والبنين على طريقة قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ } للإيذان بأن بقاءَها أمرٌ محقّقٌ لا حاجة إلى بيانه بل لفظُ الباقياتِ اسمٌ لها وصفٌ، ولذلك لم يُذكر الموصوفُ وإنما الذي يُحتاج إلى التعرض له خيريتُها {عِندَ رَبِّكَ}
    أي: في الآخرة وهو بيانٌ لما يظهر فيه آثارُ خيريّتها بمنزلة إضافة الزينةِ إلى الحياة الدنيا لا لأفضليتها فيها من المال والبنين مع مشاركة الكلِّ في الأصل إذ لا مشاركةَ لهما في الخيرية في الآخرة {ثَوَاباً}عائدةً تعود إلى صاحبها {وَخَيْرٌ أَمَلاً } حيث ينال بها صاحبُها في الآخرة كلَّ ما كان يؤمله في الدنيا، وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه أملٌ يناله، وتكريرُ خيرٌ للإشعار باختلاف حيثيَّتي الخيرية والمبالغةِ فيها. {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} منصوبٌ بمضمر أي: اذكرْ حين نقلَعُها من أماكنها ونسيّرها في الجو على هيئاتها كما ينبىء عنه قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ
    السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }النمل88 أو نسير أجزاءَها بعد أن نجعلها هباءً مُنْبَثّاً، والمرادُ بتذكيره تحذيرُ المشركين مما فيه من الدواهي، وقرىء تُسيَّر على صيغة البناء للمفعول من التفعيل جرياً على سنن الكِبرياءِ وإيذاناً بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعيُّنه، {وَتَرَى الْأَرْضَ} أي: جميعَ جوانبها والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يتأتّى منه الرؤيةُ، {بَارِزَةً} إما بروزُ ما تحت الجبال فظاهرٌ، وأما ما عداه فكانت الجبالُ تحول بينه وبين الناظرِ قبل ذلك، فالآن أضحى قاعاً صفْصِفاً لا
    ترى فيها عِوَجاً أمْتاً {وَحَشَرْنَاهُمْ} جمعناهم إلى الموقف من كل أَوْب، وإيثارُ صيغةِ الماضي بعد نسيّر وتَرى للدِلالة على تحقق الحشْرِ المتفرِّع على البعث الذي يُنكره المنكرون، وعليه يدورُ أمرُ الجزاءِ وكذا الكلام فيما عطف عليه منفياً وموجَباً، {فَلَمْ نُغَادِرْ}أي: لم نترُك {مِنْهُمْ أَحَداً} يقال: غادره إذا تركه ومنه الغدْرُ الذي هو تركُ الوفاءِ والغديرُ الذي هو ماءٌ يتركه السيلُ في الأرض الغائرةِ، {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ} شُبّهت حالُهم بحال جندٍ عُرضوا على السلطان ليأمُر فيهم بما يأمُر، وفي الالتفات إلى الغَيبة وبناءِ الفعل للمفعول مع
    التعرض لعنوان الربوبية والإضافةِ إلى ضميره عليه السلام من تربية المهابةِ والجَرْي على سَنن الكبرياءِ وإظهار اللطفِ به عليه السلام ما لا يخفى {صَفّاً}، أي: غيرَ متفرِّقين ولا مختلِطين فلا تعرّض فيه لوَحدة الصفِّ وتعدّدِه، {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا}، أي: مقولاً لهم أو وقلنا لهم، {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ}، نعتٌ لمصدر مقدّرٍ أي: مجيئاً كائناً كمجيئكم عند خلْقِنا لكم
    {أَوَّلَ مَرَّةٍ}، أو حال من ضمير جئتمونا أي: كائنين كما خلقناكم أولَ مرة حُفاةً عُراة غُرْلاً أو ما معكم شيءٌ مما تفتخرون به من الأموال والأنصار كقوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
    فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }الأنعام94 {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً} إضرابٌ وانتقالٌ من كلام إلى كلام كِلاهما للتوبيخ والتقريعِ، أي: زعمتم في الدنيا أنه لن نجعلَ لكم أبداً وقتاً نُنْجز فيه ما وعدناه من البعث وما يتبعه، والظرفُ إما مفعولٌ ثانٍ للجعل وهو بمعنى التصييرِ والأولُ هو موعداً، أو حال من موعداً وهو بمعنى الخلق والإبداعِ،{وَوُضِعَ الْكِتَابُ} عطف على
    عُرضوا داخلٌ تحت الأمورِ الهائلة التي أريد تذكيرُها بتذكير وقتِها أُورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي دَلالةً على التقرر أيضاً، أي: وُضع صحائفُ الأعمالِ، وإيثارُ الإفرادِ للاكتفاء بالجنس، والمرادُ بوضعها إما وضعُها في أيدي أصحابِها يميناً وشمالاً وإما في الميزان {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ} قاطبةً فيدخل فيهم الكفرةُ المنكِرون للبعث دخولاً أولياً {مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} خائفين مِمَّا فِيهِ من الجرائم والذنوب {وَيَقُولُونَ} عند وقوفِهم على ما في تضاعيفه نقيراً وقِطْميراً {يَا وَيْلَتَنَا}منادين لهِلَكتهم التي هلكوها من بين الهلَكات
    مستدْعين لها ليهلِكوا ولا يرَوا هولَ ما لاقَوه، أي: يا ويلتَنا احضُري فهذا أوانُ حضورِك {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ}أي: أي: شيء له، وقولُه تعالى: {صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} أي: حواها وضبطَها، جملةٌ حاليةٌ محقِّقةٌ لما في الجملة الاستفهاميةِ من التعجب، أو استئنافيةٌ مبنيةٌ على سؤال نشأ من التعجب، كأنه قيل: ما شأنُه حتى يُتعجَّب منه؟ فقيل: {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا } {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا} في الدنيا من السيئات، أو جزاءَ ما عملوا {حَاضِراً}مسطوراً عتيداً {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }فيكتب ما لم يُعمَل من السيئات أو يزيد
    في عقابه المستحَّقِ فيكون إظهاراً لِمَعْدلة القلمِ الأزلي، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ} أي: اذكر وقتَ قولنا لهم: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} سجودَ تحيةٍ وتكريم {فَسَجَدُوا}جميعاً امتثالاً بالأمر {إِلَّا إِبْلِيسَ} فإنه لم يسجُد بل أبى واستكبر وقوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} كلامٌ مستأنفٌ سيق مساقَ التعليلِ لما يفيده استثناءُ اللعين من الساجدين، كأنه قيل: ما له لم يسجُد؟ فقيل: كان أصلُه جنيًّا فَفَسَقَ أي: خرج عن طاعته كما ينبىء عنه الفاءُ، أو صار فاسقاً كافراً بسبب أمرِ الله تعالى إذ لولاه لما أبى. والتعرضُ لوصف الربوبيةِ المنافية للفسق
    لبيان كمالِ قبحِ ما فعله، والمرادُ بتذكير قصّتِه تشديدُ النكيرِ على المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالِهم المستنكفين عن الانتظام في سلك فقراءِ المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليسَ وأنهم في ذلك تابعون لتسويله كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ}، فإن الهمزةَ للإنكار والتعجبِ والفاءَ للتعقيب أي: أعَقيبَ علمِكم بصدور تلك القبائحِ عنه تتخذونه {وَذُرِّيَّتَهُ} أي: أولادَه وأتباعَه، جعلوا ذريتَه مجازاً. {أَوْلِيَاء مِن دُونِي} فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدَل طاعتي {وَهُمْ}أي: والحال أن إبليسَ وذريته {لَكُمْ عَدُوٌّ}أي: أعداءٌ وتقييد
    الاتخاذِ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكارِ وتشديدِه، فإن مضمونَها مانعٌ من وقوع الاتخاذِ ومنافٍ له قطعاً {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ} أي: الواضعين للشيء في غير موضعِه
    {بَدَلاً} من الله سبحانه إبليسُ وذريتُه، وفي الالتفات إلى الغَيبة مع وضع الظالمين موضعَ الضمير من الإيذان بكمال السُخطِ والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلمٌ قبيح ما لا يخفى.
    {مَا أَشْهَدتُّهُمْ} استئنافٌ مَسوق لبيان عدمِ استحقاقِهم للاتخاذ المذكورِ في أنفسهم بعد بيانِ الصوارفِ عن ذلك من خباثة المَحتِد والفسق والعداوة، أي: ما أحضَرْتُ إبليسَ وذريتَه
    {خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } حيث خلقتُهما قبل خلقِهم، ولا أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعض كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }النساء29 هذا ما أجمع عليه الجمهورُ حِذاراً من تفكيك الضميرين ومحافظةً على ظاهر لفظ الأنفس، ولك أن تُرجع الضميرَ الثانيَ إلى الظالمين وتلتزمَ التفكيكَ بناءً على قَوْد المعنى إليه، فإن نفيَ إشهادِ الشياطين خلقَ الذين يتولَّونهم هو الذي يدور عليه إنكارُ اتخاذهم أولياءَ بناء على
    أن أدنى ما يصحح التوليَ حضورُ الوليِّ خلقَ المتولى، وحيث لا حضورَ لا مصحِّحَ للتولي قطعاً، {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ} أي: متّخذَهم، وإنما وُضع موضعَه المظهُر ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال وتأكيداً لما سبق من إنكار اتخاذِهم أولياءَ {عَضُداً}أعواناً في شأن الخلقِ أو في شأن من شؤوني حتى يُتوهّم شِرْكتُهم في التولي بناء على الشركة في بعض أحكامِ الربوبية، وفيه تهكمٌ بهم وإيذانٌ بكمال ركاكةِ عقولِهم وسخافةِ آرائِهم حيث لا يفهمون هذا الأمرَ الجليَّ الذي لا يكاد يشتبه على البُلْه والصبيان فيحتاجون إلى التصريح
    به، وإيثارُ نفي الإشهاد على نفي شهودِهم ونفي اتخاذِهم أعواناً على نفي كونهم كذلك للإشعار بأنهم مقهورون تحت قدرتِه تعالى تابعون لمشيئته وإرادتِه فيهم، وأنهم بمعزل من استحقاق الشهودِ والمعونة من تلقاء أنفسِهم من غير إحضارٍ واتخاذ وإنما قُصارى ما يتوهم في شأنهم أن يبلُغوا ذلك المبلغَ بأمر الله عز وجل ولم يكد ذلك يكون، {وَيَوْمَ يَقُولُ} أي: الله عز وجل للكافرين توبيخاً وتعجيزاً، {نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم شفعاؤُكم ليشفعوا لكم، والمرادُ بهم كلُّ ما عُبد من دونه تعالى، {فَدَعَوْهُمْ} أي: نادَوهم للإغاثة،
    وفيه بيانٌ لكمال اعتنائِهم بإعانتهم على طريقة الشفاعةِ إذ معلومٌ أن لا طريقَ إلى المدافعة { فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} فلم يُغيثوهم إذ لا إمكان لذلك وفي إيراده مع ظهوره تهكمٌ بهم وإيذانٌ بأنهم في الحماقه بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم} بين الداعين والمدعوّين {مَّوْبِقاً}اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ من وبَق وُبوقا إذا هلَك أي: مهلِكاً يشتركون فيه وهو النارُ، أو عداوةً وهي في الشدة نفسُ الهلاك كقول عمر رضي الله عنه: ( لا يكن حبُّك كلَفاً ولا بغضُك تلَفاً).
    {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} وُضع المظهرُ مقام المُضمر تصريحاً بإجرامهم وذماً لهم بذلك. {فَظَنُّوا} أي: فأيقنوا {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا} مخالطوها واقعون فيها أو ظنوا إذ رأوها من مكان بعيد أنهم مواقعوها الساعةَ {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً}انصرافاً أو معدِلاً ينصرفون إليه.

    5
    المحاضرة العاشرة: (المقطع التاسع):
    تعقيبات على بعض مشاهد الآخرة، والمشهد الأول من قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام

    :
    قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً{54} وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً{55} وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً{56} وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً{57} وَرَبُّكَ الْغَفُورُ َ

    ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً{58} وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً{59} وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً{60} فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً{61}}.
    {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ} أي: كررنا وأوردنا على وجوه كثيرةٍ من النظم المعجز لمصلحة الناس ومنفعتِهم {مِن كُلِّ مَثَلٍ} من جملته ما مر مِن مَثَل الرجلين ومثَل

    الحياةِ الدنيا أو من كل نوعٍ من أنواع المعاني البديعةِ الداعيةِ إلى الإيمان التي هي في الغرابة والحسنِ واستجلاب النفس كالمثل ليتلقَّوْه بالقَبول فلم يفعلوا {وَكَانَ الْإِنسَانُ} بحسب جِبلَّته {أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي: أكثرَ الأشياءِ التي يتأتى منها الجدلُ وهو هاهنا شدةُ الخُصومةِ بالباطل والمماراةِ، من الجدْل الذي هو الفتْلُ، والمجادلةُ الملاواةُ لأن كلاًّ من المجادِلَين يلتوي على صاحبه، وانتصابُه على التمييز والمعنى أن جدَله أكثرُ من جدَل كلِّ مجادل، {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ} أي: أهلَ مكةَ الذين حُكيت أباطيلُهم
    {أَن يُؤْمِنُوا} من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا ما هم فيه من الإشراك أَن يُؤْمِنُوا {إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى} أي: القرآنُ العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبةِ له {وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ} عما فرَط منهم من أنواع الذنوبِ التي من جملتها مجادلتُهم للحق بالباطل {إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} أي: إلا طلبُ إتيانِ سُنّتهم أو إلا انتظارُ إتيانِها، وسنتُهم الاستئصالُ {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ}أي: عذابُ الآخرة {قُبُلاً} أي: أنواعاً، جمعُ قَبيل أو عِياناً وانتصابُه على الحالية من الضمير أو العذاب والمعنى أن ما تضمنه القرآنُ الكريم من الأمور المستوجبةِ للإيمان بحيث لو لم يكن مثلَ هذه الحكمةِ القوية لما امتنع الناسُ من الإيمان وإن كانوا مجبولين على
    الجدَل المفْرِط، {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ} إلى الأمم ملتبسين بحال من الأحوال {إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} حالَ كونهم مُبَشّرِينَ للمؤمنين بالثواب وَمُنذِرِينَ للكفرة والعصاة بالعقاب {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ} باقتراح الآياتِ بعد ظهور المعجزاتِ والسؤالِ عن قصة أصحاب الكهفِ ونحوها تعنّتاً {لِيُدْحِضُوا بِهِ}أي: بالجدال {الْحَقَّ} يُزيلوه عن مركزه ويُبْطلوه من إدحاض القدمِ وهو إزلاقُها، وهو قولهم للرسل عليهم الصلاة والسلام: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }إبراهيم10{وَاتَّخَذُوا آيَاتِي} التي تخِرُّ لها صمُّ الجبال {وَمَا
    أُنذِرُوا هُزُواً } أي: أُنذروه من القوارع الناعيةِ عليهم العقابَ والعذابَ أو إنذارهم استهزاءً، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} وهو القرآنُ العظيم {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} ولم يتدبرها ولم يتذكرْ بها، وهذا السبكُ وإن كان مدلولُه الوضعيُّ نفيَ الأظلمية من غير تعرّضٍ لنفي المساواة في الظلم إلا أن مفهومَه العُرْفيَّ أنه أظلمُ من كل ظالم، وبناءُ الأظلمية على ما في حيز الصلة من الإعراض عن القرآن للإشعار بأن ظلمَ من يجادل فيه ويتخذُه هزواً خارجٌ عن الحد {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي: عملَه من الكفر والمعاصي التي من جملتها ما ذكر من المجادلة بالباطل والاستهزاءِ بالحق ولم يتفكر في عاقبتها {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى
    قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطيةً كثيرة جمع كِنان، وهو تعليلٌ لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوعٌ على قلوبهم {أَن يَفْقَهُوهُ}مفعولٌ لما دل عليه الكلام أي: منعناهم أن يقفوا على كُنهه، أو مفعولٌ له أي: كراهةَ أن يفقهوه {وَفِي آذَانِهِمْ} أي: جعلنا فيها {وَقْراً} ثِقَلاً يمنعهم من استماعه {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً} أي: فلن يكون منهم اهتداءٌ البتةَ مدةَ التكليف، وإذن جزاءٌ للشرط وجوابٌ عن سؤال النبي عليه الصلاة والسلام المدلولِ عليه بكمال عنايتِه بإسلامهم، كأنه قال عليه الصلاة والسلام: (مالي لا أدعوهم؟) فقيل: {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً}، وجمعُ الضميرِ الراجع إلى الموصول في هذه
    المواضع الخمسة باعتبار معناه كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار لفظِه، {وَرَبُّكَ} مبتدأ وقوله تعالى: {الْغَفُورُ} خبرُه وقوله تعالى: {ذُو الرَّحْمَةِ} أي: الموصوفُ بها، خبرٌ بعد خبرٍ، وإيرادُ المغفرة على صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، ولأن المغفرةَ تركُ المضارّ وهو سبحانه قادرٌ على ترك ما لا يتناهى من العذاب، وأما الرحمةُ فهي فعل وإيجادٌ ولا يدخل تحت الوجود إلا ما يتناهى، وتقديمُ الوصف الأولِ لأن التخليةَ قبل التحلية أو لأنه أهمُّ بحسب الحال إذ المقامُ مقامُ بيانِ العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما يُعرب عنه قوله عز وجل: {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا} أي: لو يريد مؤاخذتهم بِمَا
    كَسَبُواْ من المعاصي التي من جملتها ما حُكي عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضِهم عن آيات ربهم وعدمِ المبالاة بما اجترحوا من المُوبقات {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} لاستيجاب أعمالِهم لذلك، وإيثارُ المؤاخذةِ المنبئة عن شدة الأخذِ بسرعة على التعذيب والعقوبةِ ونحوهما للإيذان بأن النفيَ المستفادَ من مقدَّم الشرطية متعلقٌ بوصف السرعة كما ينبىء عنه تاليها، وإيثارُ صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضيّ لإفادة أن انتفاءَ تعجيلِ العذاب لهم بسبب استمرار عدمِ إرادة المؤاخذة فإن المضارعَ الواقعَ موقعَ الماضي يفيد استمرارَ انتفاءِ الفعل فيما مضى، {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} اسمُ زمان هو يومُ القيامة، والجملةُ
    معطوفةٌ على مقدر كأنه قيل: لكنهم ليسوا بمؤاخذين بغتةً {لَّن يَجِدُوا} البتةَ {لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منْجى أو ملجأً، {وَتِلْكَ الْقُرَى} أي: قرى عاد وثمودَ وأضرابِها، وهي مبتدأٌ على تقدير المضافِ أي: وأهلُ تلك القرى خبرُه قوله تعالى: {أَهْلَكْنَاهُمْ} أو مفعولٌ مضمرٌ مفسر به {لَمَّا ظَلَمُوا} أي: وقت ظلمِهم كما فعلت قريشٌ بما حُكي عنهم من القبائح، {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} أي: عيّنّا لهلاكهم {مَّوْعِداً} أي: وقتاً معيناً لا محيدَ لهم عن ذلك، وهذا اسشهاد على ما فُعل بقريش من تعيين الموعد ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر العذاب. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى} نصب بإضمار فعل، أي: اذكر وقت قوله عليه السلام {لِفَتَاهُ
    وهو يوشعُ بن نونٍ، ولعل المرادَ بتذكيره عَقيب بيانِ أن لكل أمة موعداً تذكيرُ ما في القصة من موعد الملاقاة مع ما فيها من سائر المنافعِ الجليلة، {لَا أَبْرَحُ} من برِح الناقصِ كزال يزال، أي: لا أزال أسير فحُذف الخبر اعتماداً على قرينة الحالِ إذْ كان ذلك عند التوجه إلى السفر واتكالاً على ما يعقُبه من قوله: {حَتَّى أَبْلُغَ} فإن ذلك غايةٌ تستدعي ذا غايةً يؤدّي إليها، {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} هو ملتقى بحرِ فارسَ والروم مما يلي المشرِق، {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أسير زماناً طويلاً أتيقن معه فواتَ المطلب والحُقب الدهرُ أو ثمانون سنة،
    وكان منشأُ هذه العزيمة أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر مع بني إسرائيلَ واستقروا بها بعد هلاكِ القِبْط أمره الله عز وجل أن يذكّر قومَه النعمةَ فقام فيهم خطيباً بخطبة بديعةٍ رقت بها القلوبُ وذرَفت العيون، فقالوا له: مَنْ أعلمُ الناس؟ قال: أنا. فعتب الله تعالى عليه إذ لم يردّ العلم إليه عز وجل فأوحى إليه: (بل أعلمُ منك عبدٌ لي عند مجمع البحرين وهو الخِضْرُ عليه السلام)، {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} الذي جُعل فقدانُ الحوت أمارةَ وُجدانِ المطلوب {نَسِيَا حُوتَهُمَا} أي: نسيا تفقّد أمره وما يكون منه.
    {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً} مسلَكاً كالسرب وهو النفق، وانتصابُ سَرباً على أنه مفعولٌ ثانٍ لاتخذ وفي البحر حال منه أو من السبيل.

  4. #23
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة الحادية عشرة: (المقطع العاشر):
    المشهد الثاني من قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام

    :
    قوله تعالى: { فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً{62} قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً{63} قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً{64} فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً{65} قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً{66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً{68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً{69}

    قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً{70} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً{71} قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{72} قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً{73} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً{74}}.
    {فَلَمَّا جَاوَزَا} أي: مجمعَ البحرين الذي جُعل موعداً للملاقاة، {قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا} أي: ما نتغدى به وهو الحوتُ كما ينبىء عنه الجواب {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا} إشارةٌ إلى
    ما سارا بعد مجاوزةِ الموعد {نَصَباً} تعباً وإعياءً، والجملةُ في محل التعليل للأمر بإيتاء الغداء إما باعتبار أن النصَبَ إنما يعتري بسبب الضعفِ الناشىء عن الجوع وإما باعتبار ما في أثناء التغدي من استراحة ما،{قَالَ} أي: فتاه عليه السلام: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} أي: التجأنا إليها وأقمنا عندها، والرؤيةُ مستعارةٌ للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملةِ، ومرادُه بالاستفهام تعجيبُ موسى عليه السلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، وقد جُعل فقدانُه علامةً لوجدان المطلوب،
    والمفعولُ محذوفٌ اعتماداً على ما يدل عليه من قوله عز وجل: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} وفيه تأكيدٌ للتعجيب وتربيةٌ لاستعظام المنسيِّ، وإيقاعُ النسيان على اسم الحوتِ دون ضمير الغَداءِ مع أنه المأمورُ بإتيانه للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس من قبيل نِسيان المسافرِ زادَه في المنزل وأن ما شاهده ليس من قبيل الأحوالِ المتعلقة بالغداء من حيث هو غَداءٌ وطعامٌ، بل من حيث هو حوتٌ كسائر الحِيتان مع زيادة أي: نسِيتُ أن أذكر لك أمرَه وما شاهدتُ منه من الأمور العجيبة،{وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} بوسوسته الشاغلةِ عن ذلك وقوله تعالى:{أَنْ أَذْكُرَهُ} بدلُ اشتمال من الضمير أي: ما أنساني أن أذكرَه لك، وفي تعليق الإنساء بضمير الحوتِ أولاً وبذكره له ثانياً على طريق الإبدالِ المنبىء عن تنحية المبدَل منه إشارةٌ إلى أن متعلَّقَ النسيان أيضاً ليس نفسَ الحوتِ بل ذكرُ أمره، {وَاتَّخَذَ
    سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} بيانٌ لطرف من أمر الحوتِ منبىءٌ عن طرف آخرَ منه، وما بينهما اعتراضٌ قُدم عليه للاعتناء بالاعتذار، كأنه قيل: حَيِيَ واضطرب ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجباً، فعجباً ثاني مفعولَي اتخَذ.
    {قَالَ} أي: موسى عليه السلام {ذَلِكَ} الذي ذكرتَ من أمر الحوت {مَا كُنَّا نَبْغِ}، أصلُه نبغيه أي: نطلبه لكونه أَمارةً للفوز بالمرام {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا} أي: رجعا على طريقِهما الذي جاءا منه {قَصَصاً} يقُصان قَصصاً أي: يتّبعان آثارَهما اتباعاً أو مقتصّين حتى أتيا الصخرة،{فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا} التنكيرُ للتفخيم والإضافةُ للتشريف والجمهور
    على أنه الخِضْرُ واسُمه بَلْيَا بنُ مَلْكَان،{آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا} هي الوحيُ والنبوةُ كما يُشعِرُ به تنكيرُ الرحمة واختصاصُها بجناب الكبرياء {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} خاصاً لا يُكتنه كُنهُه ولا يقادر قدرُه وهو علمُ الغيوب.
    {قَالَ لَهُ مُوسَى} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من السباق، كأنه قيل: فماذا جرى بينهما من الكلام؟ فقيل: قال له موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ} استئذاناً منه في اتّباعه له على وجه التعلم {مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } أي: علماً ذا رُشدٍ أرشُد به في ديني، والرشدُ إصابةُ الخير، ولا ينافي نبوتَه وكونَه صاحبَ شريعةٍ أن يتعلم من نبي آخرَ ما لا تعلقَ له بأحكام شريعتِه من أسرار العلومِ الخفية، ولقد راعى في سَوق الكلام غايةَ التواضع معه عليهما الصلاة والسلام،
    {قَالَ} أي: الخِضْر: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} نفى عنه استطاعةَ الصبر معه على وجه التأكيد كأنه مما لا يصِحّ ولا يستقيم وعلله بقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } إيذاناً بأنه يتولى أموراً خفيةَ المدارِ مُنْكَرةَ الظواهرِ، والرجلُ الصالح لا سيما صاحبِ الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها. وفي صحيح البخاري قال: (يا موسى إنى على علمٍ من علم الله تعالى علَّمنيه لا تعلَمُه، وأنت على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه) وخبراً تمييز أي: لم يحط به خبرك،{قَالَ} موسى عليه الصلاة والسلام:
    {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ} معك غيرَ معترضٍ عليك، وتوسيطُ الاستثناء بين مفعولَي الوُجدان لكمال الاعتناءِ بالتيمّن ولئلا يُتوهّم بالصبر، وفيه دليلٌ على أن أفعالَ العبادِ بمشيئة الله سبحانه وتعالى. {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} عطف على صابراً أي: ستجدني صابراً وغيرَ عاصٍ، وفي وعد هذا الوُجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبرِ وتركِ العصيان، {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي} أذِن له في الاتّباع بعد اللتيا والتي، والفاءُ لتفريع الشرطيةِ على ما مر من التزام موسى عليه الصلاة والسلام للصبر والطاعة {فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ} تشاهده من أفعالي أي: لا تفاتحْني بالسؤال عن حكمته فضلاً عن المناقشة والاعتراض
    {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي: حتى أبتدىء ببيانه، وفيه إيذانٌ بأن كلَّ ما صدر عنه فله حكمةٌ وغايةٌ حميدةٌ البتةَ، وهذا من أدب المتعلم مع العالم والتابعِ مع المتبوع، {فَانطَلَقَا} أي: موسى والخضِرُ عليهما الصلاة والسلام على الساحل يطلبان السفينةَ، وأما يوشعُ فقد صرفه موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني إسرائيلَ، فمرا بسفينة فكلّما أهلها فعرفوا الخضِرَ فحملوهما بغير نَول, {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ} استعمالُ الركوب في أمثال هذه المواقع بكلمة في مع تجريده عنها في مثل قوله عز وجل: {{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}
    النحل8على ما يقتضيه تعديتُه بنفسه لِما أشرنا إليه في قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }هود41 {خَرَقَهَا} فقلع من ألواحها لوحين مما يلي الماء، فعند ذلك {قَالَ} موسى عليه السلام {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} من الإغراق، {لَقَدْ جِئْتَ} أتيت وفعلت {شَيْئاً إِمْراً} أي: عظيماً هائلاً من أمرِ الأمرُ إذا عظُم،{قَالَ} أي: الخضِرُ عليه السلام: {أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً} تذكيرٌ لما قاله من قبلُ وتحقيقٌ لمضمونه متضمنٌ للإنكار على عدم الوفاء بوعده {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} بنيساني أو بالذي نسِيتُه أي: بشيء نسيتُه وهو
    وصيتُه بأن لا يسألَه عن حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفيةِ الأسبابِ قبلَ بيانه، أراد أنه نسِيَ وصيته ولا مؤاخذةَ على الناسي كما ورد في صحيح البخاريّ من أن الأولَ كان من موسى نسياناً، أو أَخْرج الكلامَ في معرِض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسِيَ ليبسُطَ عذرَه في الإنكار، وهو من معاريض الكلام التي يتقى بها الكذبُ مع التوصل إلى الغرض، أو أراد بالنسيان التركَ أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة {وَلَا تُرْهِقْنِي} أي: ولا تحمّلني{مِنْ أَمْرِي} وهو اتباعه إياه {عُسْراً} أي: لا تعسِّرْ عليّ متابعتك
    ويسِّرها عليّ بالإغضاء وتركِ المناقشة. {فَانطَلَقَا} الفاءُ فصيحةٌ أي: فقِبل عذرَه فخرجا من السفينة فانطلقا{حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ} قيل: كان الغلامُ يلعب مع الغلمان ففتل عُنقَه، {قَالَ} أي: موسى عليه الصلاة والسلام: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} طاهرةً من الذنوب، {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي: بغير قتلِ نفسٍ محرمة؟ وتخصيصُ نفْي هذا المبيحِ بالذكر من بين سائرِ المبيحات من الكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصانِ لأنه الأقربُ إلى الوقوع نظراً إلى حال الغلام، ولعل تغييرَ النظمِ الكريم بجعل ما صدر عن الخضِر عليه الصلاة والسلام هاهنا من
    جملة الشرطِ، وإبرازِ ما صدر عن موسى عليه الصلاة والسلام في معرض الجزاءِ المقصودِ إفادتُه مع أن الحقيقَ بذلك إنما هو ما صدر عن الخضر عليه الصلاة والسلام من الخوارق البديعة لاستشراف النفسِ إلى ورود خبرِها لقلة وقوعِها في نفس الأمر ونُدرة وصولِ خبرها إلى الأذهان، ولذلك روعيت تلك النكتةُ في الشرطية الأولى لما أن صدورَ الخوارقِ
    منه عليه الصلاة والسلام خرج بوقوعه مرة مَخرجَ العادة، فانصرفت النفسُ عن ترقبّه إلى ترقب أحوالِ موسى عليه الصلاة والسلام هل يحافظ على مراعاة شرطِه بموجب وعدِه الأكيدِ عند مشاهدةِ خارقٍ آخرَ، أو يسارع إلى المناقشة كما مر في المرة الأولى؟ فكان المقصودُ إفادةَ ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام ففعل ما فعل ولله درُّ شأنِ التنزيل.
    {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} قيل: معناه أنكرُ من الأول إذا لا يمكن تدارُكه كما يمكن تداركُ الأول بالسدّ ونحوِه.

    5
    المحاضرة الثانية عشرة: (المقطع الحادي عشر):
    المشهد الثالث من قصة سيدنا موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام

    :
    قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً{75} قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً{76} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً{77} قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً{78} أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً{79} وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً{80} فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً{81}
    وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً{82}}.
    زيد {لَّكَ} في قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً} لزيادة المكافحةِ بالعتاب على رفض الوصيةِ وقلة التثبّتِ والصبرِ لمّا تكرر منه الاشمئزازُ والاستنكار ولم يَرعَوِ بالتذكير حتى زاد النكير في المرة الثانية {قَالَ} أي: موسى عليه الصلاة والسلام: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا} أي: بعد هذه المرة
    {فَلَا تُصَاحِبْنِي} أي: لا تجعلني صاحبك
    {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} أي: قد أعذ رتَ ووجدتَ من قِبلي عُذراً حيث خالفتُك ثلاثَ مرات، {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} هي أنطاكيةُ، كانوا أهلَ قرية لئاما، وقيل: وشرُّ القرى التي لا يضاف فيها الضيفُ ولا يُعرف لابن السبيل حقُّه، وقوله تعالى: {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} في محل الجرِّ على أنه صفةٌ لقرية، ولعل العدولَ عن استطعامهم على أن يكون صفةً للأهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعِهم فإن الإباءَ من الضيافة وهم أهلُها قاطنون بها أقبحُ وأشنع. {فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا} بالتشديد، يقال: ضافه إذا كان له ضيفاً وأضافه وضيّفه أنزله وجعله ضيفاً له، وحقيقةُ ضاف مال إليه من ضاف السهمُ عن الغرَض ونظيرُه زاره من الازورار، {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} أي: يداني أن
    يسقُط فاستعيرت الإرادةُ للمشارفة للدِلالة على المبالغة في ذلك، والانقضاضُ الإسراعُ في السقوط وهو انفعالٌ من القضّ، {فَأَقَامَهُ} قيل: مسحه بيده فقام، وقيل: نقضه وبناه {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} تحريضاً له على أخذ الجُعْل لينتعشا به أو تعريضاً بأنه فضولٌ لما في لو من النفي، كأنه لما رأى الحِرمانَ ومِساسَ الحاجة واشتغالَه بما لا يعنيه لم يتمالك الصبرَ، {قَالَ} أي: الخَضِر عليه الصلاة والسلام: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} على إضافة المصدرِ إلى الظرف اتساعاً، ُ أي: هذا الوقتُ وقتُ فراق بيني وبينِك، {سَأُنَبِّئُكَ} السين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} التأويلُ رجْعُ الشيءِ إلى مآله والمرادُ به هاهنا المآلُ والعاقبةُ إذ هو المنبَّأُ به دون التأويل وهو خلاصُ السفينة من اليد العادِيَة،
    وخلاصُ أبوَي الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسنِ واستخراجُ اليتيمين للكنز، وفي جعل صلةِ الموصول عدمَ استطاعةِ موسى عليه الصلاة والسلام للصبر دون أن يقال: بتأويل ما فعلتُ أو بتأويل ما رأيتَ ونحوِهما نوعُ تعريضٍ به عليه الصلاة والسلام وعتاب، {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} التي خرقتُها فَكَانَتْ لضعفاءَ لا يقدرون على مدافعة الظَّلَمة، {يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} وإسنادُ العمل إلى الكل حينئذ إنما هو بطريق التغليب أو لأن عملَ الوكلاءِ عمل الموكِّلين {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي: أجعلها ذاتَ عيب الموكِّلين {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ} أي: أمامَهم الموكِّلين {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ}أي: صالحةٍ الموكِّلين {غَصْباً} من أصحابها وانتصابُه على أنه مصدرٌ مبينٌ لنوع الأخذ، ولعل تفريعَ إرادةِ تعييب
    السفينةِ على مسكنة أصحابِها قبل بيان خوفِ الغصْب مع أن مدارَها كلا الأمرين، للاعتناء بشأنها إذ هي المحتاجةُ إلى التأويل، وللإيذان بأن الأقوى في المدارية هو الأمرُ الأولُ ولذلك لا يبالي بتخليص سفنِ سائرِ الناس مع تحقق خوفِ الغصبِ في حقهم أيضاً، ولأن في التأخير فصلاً بين السفينة وضميرِها مع توهم رجوعِه إلى الأقرب.
    {وَأَمَّا الْغُلَامُ} الذي قتلتُه {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} لم يصرح بكفره إشعاراً بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره
    {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا} فخِفنا أن يغْشَى الوالدَين المؤمنَين {طُغْيَانا} عليهما {وَكُفْراً} لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعِه ويُلحق بهما شراً وبلاءً، أو يُقرَنَ بإيمانهما طغيانُه وكفره فيجتمَع في بيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافرٌ، أو يُعدِيَهما بدائه ويُضلّهما بضلاله فيرتدّا بسببه، وإنما خشِيَ الخَضِر عليه الصلاة والسلام منه ذلك لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمرِه، {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ} منه بأن يرزُقهما بدلَه ولداً خيراً مِنْهُ وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ والإضافةِ إليهما ما لا يخفى من الدِلالة على إرادة وصولِ الخير إليهما {زَكَاةً} طهارةً من الذنوب والأخلاق الرديئة {وَأَقْرَبَ رُحْماً}
    أي: رحمةً وعطفاً، وانتصابُه على التمييز مثلُ زكوة. {وَأَمَّا الْجِدَارُ} المعهودُ {فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} هي القريةُ المذكورة فيما سبق، ولعل التعبيرَ عنها بالمدينة لإظهار نوعِ اعتدادٍ بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالحِ، {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} من فضة وذهب كما رُوي مرفوعاً. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} تنبيهٌ على أن سعيَه في ذلك كان لصلاحه، {فَأَرَادَ رَبُّكَ} أي: مالكُك ومدبرُ أمورك، ففي إضافة الربِّ إلى ضمير
    موسى عليه الصلاة والسلام دون ضميرهما تنبيهٌ له عليه الصلاة والسلام على تحتم كمالِ الانقيادِ والاستسلامِ لإرادته سبحانه ووجوبِ الاحترازِ عن المناقشة فيما وقع بحسبها من الأمور المذكورة {أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} أي: حُلُمَهما وكمالَ رأيهما أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا {وَيَسْتَخْرِجَا} بالكلية {كَنزَهُمَا} من تحت الجدار ولولا أني أقمتُه لانقضّ وخرج الكنزُ من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميتِه وضاع {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} مصدرٌ في موقع الحال أي: مرحومَين منه عز وجل، أو مفعولٌ له أو مصدرٌ مؤكدٌ لأراد فإن إرادةَ الخير
    رحمةٌ، وقيل: متعلقٌ بمضمر أي: فعلتُ ما فعلتُ من الأمور التي شاهدتَها رحمةً من ربك، ويعضُده إضافةُ الرب إلى ضمير المخاطبِ دون ضميرهما فيكون قوله عز وعلا: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أي: عن رأيي واجتهادي تأكيداً لذلك {ذَلِكَ} إشارة إلى العواقب المنظومةِ في سلك البيان، وما فيه معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتِها في الفخامة {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع}
    أي: لم تستطع فحُذف التاء للتخفيف {عَّلَيْهِ صَبْراً} من الأمور التي رابتْه أي: مآلُه وعاقبتُه فيكون إنجازاً للتنبئة الموعودةِ، أو إلى البيان نفسه فيكون التأويلُ بمعناه، وعلى كل حالٍ فهو فذلكةٌ لما تقدم، وفي جعل الصلة عينَ ما مر تكريرٌ للنكير وتشديدٌ للعتاب.

  5. #24
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة الثالثة عشرة: (المقطع الثاني عشر):
    قصة ذي القرنين

    :
    قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً{83} إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً{84} فَأَتْبَعَ سَبَباً{85} حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً{86} قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً{87} وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً{88} ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً{89} حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً{90}
    كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً{91} ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً{92} حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً{93} قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً{94} قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً{95} آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً{96} فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً{97} قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً{98}}.
    {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ} هم اليهودُ سألوه على وجه الامتحانِ، أو سألتْه قريشٌ بتلقينهم، وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على استمرارهم على ذلك إلى ورود الجوابِ، واختُلف في نبوته بعد الاتفاق على إسلامه وولايتِه، فقيل: كان نبياً لقوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً }الكهف84 وظاهر أنه متناولٌ للتمكين في الدين وكمالُه بالنبوة، ولقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً}الكهف86 ونحوِ ذلك، قال ابن كثير: والصحيحُ أنه ما كان نبياً ولا ملكاً وإنما كان ملكاً صالحاً عادلاً
    ملَك الأقاليَم وقهر أهَلها من الملوك وغيرَهم ودانتْ له البلادُ، وأنه كان داعياً إلى الله تعالى سائراً في الخلق بالمَعْدلة التامة والسلطانِ المؤيَّدِ المنصورِ، وكان الخضر على مقدمة جيشِه بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير، {قُلْ} لهم في الجواب {سَأَتْلُو عَلَيْكُم} أي: سأذكر لكم {مِّنْهُ}أي: من ذي القرنين {ذِكْراً} أي: نبأ مذكوراً ً أي: قرآناً، وحيث كان ذلك بطريق الوحي المتلوِّ حكايةً عن الله عز وجل،، والسينُ للتأكيد والدِلالة على التحقيق المناسبِ لمقام تأييدِه عليه الصلاة والسلام وتصديقِه بإنجاز وعدِه، أي: لا أترك التلاوةَ البتةَ
    كما في قوله من قال:
    سأشكر عَمْراً إن تراخت منيّتي أياديَ لك تُمنَنْ وإن هي جلَّتِ
    لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل، لأن هذه الآيةَ ما نزلت بإنفرادها قبل الوحي بتمام القصة، بل موصولةٌ بما بعدها ريثما سألوه عليه الصلاة والسلام عنه وعن الروح وعن أصحاب الكهفِ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (ائتوني غداً أخبرْكم) فأبطأ عليه الوحيُ خمسة عشر يوماً أو أربعين كما ذكر فيما سلف.
    وقوله عز وجل: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} شروعٌ في تلاوة الذكر المعهودِ حسبما هو الموعودُ، والتمكينُ هاهنا الإقدارُ وتمهيدُ الأسباب، يقال: مكّنه ومكّن له ومعنى الأولِ جعله قادراً وقوياً، ومعنى الثاني جعل له قدرةً وقوةً، ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في المعنى يُستعمل كلٌّ منهما في محل الآخر كما في قوله عز وعلا: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ }الأنعام6.
    أي : جعلناهم قادرين من حيث القُوى والأسبابُ والآلاتُ على أنواع التصرفاتِ فيها، ما لم نجعلْه لكم من القوة والسَّعة في المال والاستظهارِ بالعَدد والأسباب، فكأنه قيل: ما لم نمكنْكم فيها أي: ما لم نجعلْكم قادرين على ذلك فيها أو مكنّا لهم في الأرض ما لم نمكنْ لكم، وهكذا إذا كان التمكينُ مأخوذاً من المكان بناءً على توهّم ميمِه أصليةً كما أشير إليه في سورة يوسفَ عليه الصلاة والسلام، والمعنى إنا جعلنا له مَكِنةً وقدرةً على التصرف في الأرض من حيث التدبيرُ والرأي: والأسبابُ، حيث سُخّر له السحابُ، ومُدّ له في
    الأسباب، وبُسط له النورُ، وكان الليلُ والنهار عليه سواءً، وسُهِّل عليه السيرُ في الأرض، وذُلّلت له طرقها{وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ} أراده من مُهمّات مُلكه ومقاصدِه المتعلقة بسلطانه {سَبَباً}أي: طريقاً يوصله إليه وهو كلُّ ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة{فَأَتْبَعَ}، بالقطع، أي: فأراد بلوغَ المغرب فأتبع
    {سَبَباً} يوصله إليه، ولعل قصدَ بلوغِ المغرب ابتداءً لمراعاة الحركةِ الشمسية، {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا} أي: منتهى الأرضِ من جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحدٌ من
    مجاوزته، ووقف على حافة البحر المحيطِ الغربي{تَغْرُبُ} الشمس {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}
    ذاتِ حَمأة وهي الطينُ الأسود من حمِئت البئرُ إذا كثرت حَمأتُها،{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً}
    عند تلك العين قَوْماً كفاراً فخيّره الله جل ذكره بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوَهم إلى الإيمان وذلك قوله تعالى: ،{قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ} بالقتل من أول الأمر ،{وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} أي: أمراً ذا حُسْن على حذف المضافِ أو على طريقةِ إطلاقِ المصدر على موصوفه مبالغةً،
    وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع، ومن لم يقل بنبوته قال: كان ذلك الخطابُ بواسطة نبيَ في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاماً لا وحياً بعد أن كان ذلك التخييرُ موافقاً لشريعة ذلك النبي، {قَالَ} أي: ذو القرنين لذلك النبيِّ أو لمن عنده من خواصّه بعد ما تلقّى أمرَه تعالى مختاراً للشق الأخير {أَمَّا مَن ظَلَمَ} أي: نفسَه ولم يقبل دعوتي وأصرّ على ما كان عليه من الظلم العظيم الذي هو الشركُ {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} بالقتل. {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ} في الآخرة {فَيُعَذِّبُهُ } فيها {عَذَاباً نُّكْراً} أي: منكراً
    فظيعاً وهو عذابُ النار، وفيه دِلالةٌ ظاهرةٌ على أن الخطابَ لم يكن بطريق الوحي إليه وأن مقاولتَه كانت مع النبي أو مع من عنده من أهل مشورتِه، {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} بموجب دعوتي وَعَمِلَ عملاً صالحا حسبما يقتضيه الإيمان {فَلَهُ} في الدارين {جَزَاء الْحُسْنَى} أي: فله المثوبةُ الحسنى أو الفِعلةُ الحسنى أو الجنةُ جزاءً، في حقه قوةُ الإسلام وأما المؤمنُ قلا يُتعرَّض له إلا بما يحب، ويجوز أن تكون إما وأما للتوزيع دون التخيير أي: وليكن شأنُك معهم إما التعذيبَ وإما الإحسانَ فالأول لمن بقيَ على حاله والثاني لمن تاب
    {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا}أي: مما نأمر به {يُسْراً} أي: سهلاً متيسراً غيرَ شاقَ وتقديرُه ذا يُسر، أو أُطلق عليه المصدرُ مبالغةً،
    {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } أي: طريقاً راجعاً من مغرب الشمس موصلاً إلى مشرقها {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} يعني الموضِعَ الذي تطلع عليه الشمسُ أولاً من معمورة الأرض، {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً} من اللباس والبناء، {كَذَلِكَ} أي: أمرُ ذي القرنين كما وصفناه لك في رفعة المحلِّ وبسطةِ المُلك، أو أمرُه فيهم كأمره في أهل المغرِب
    من التخيير والاختيارِ، {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ} من الأسباب والعَدد والعُدد {خُبْراً} يعني أن ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علمُ اللطيفِ الخبير، {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } أي: طريقاً ثالثاً معترِضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من الجنوب إلى الشمال {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} بين الجبلين الذين سُدّ ما بينهما وهو منقطَعُ أرضِ الترك مما يلي المشرِق،، وانتصاب بين على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الظروف التي تستعمل أسماءً أيضاً كما ارتفع في قوله تعالى:
    {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }الأنعام94 وانجرّ في قوله تعالى: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}الكهف78 { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى} أي: من ورائهما مجاوزاً عنهما {قَوْمٍ} أي: أمة من الناس {لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً } لغرابة لغتِهم وقلة فِطنتِهم، {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} وهما اسمانِ أعجميان بدليل منْع الصرفِ، وقيل: عربيان من أجّ الظليمُ إذا أسرع وأصلهما الهمزة كما قرأ عاصم، وقد قرىء بغير همزةٍ ومُنع صرفُهما
    للتعريف والتأنيث {مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} أي: في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلافِ الزروع،{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} أي: جُعْلاً من أموالنا، والفاء لتفريع العَرض على إفسادهم في الأرض ﭼ وقرىء بالضم، {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي} بالإدغام وقرىء بالفك، أي: ما جعلني ربي فيه مكيناً وقادراً من المُلك والمال وسائرِ الأسباب {خَيْرٌ} مما تريدون أن تبذُلوه إليّ من الخَرْج فلا حاجة بي إليه {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أي: بفَعَلة وصُنّاع يُحسنون البناءَ والعمل وبآلات لا بد منها من البناء، والفاء
    لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ما مكّنه الله تعالى فيه من مالهم أو على عدم قَبولِ خَرْجهم {أَجْعَلْ} جواب للأمر {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ} تقديمُ إضافةِ الظرف إلى ضمير المخاطبين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج، لإظهار كمالِ العناية بمصالحهم كما راعَوْه في قولهم: {عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} {رَدْماً} أي: حاجزاً حصيناً وبرزخاً متيناً وهو أكبرُ من السدّ وأوثقُ، يقال: ثوبٌ مُرَدّم أي: فيه رِقاع فوق رِقاعٍ وهذا إسعافٌ بمرامهم فوق ما يرجونه، {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} جمع زُبْره كغرف في غرفة وهي القطعةُ الكبيرة
    وهذا لا ينافي ردّ خراجِهم لأن المأمورَ به الإيتاءُ بالثمن أو المناولةُ كما ينبىء عنه القراءة بوصل الهمزة، أي: جيئوني بزُبَر الحديد على حذف الباء كما في أمرتك الخيرَ، ولأن إيتاءَ الآلة من قبيل الإعانةِ بالقوة دون الخَراج على العمل، ولعل تخصيصَ الأمر بالإيتاء بها دون سائرِ الآلات من الصخور والحطبِ ونحوِهما لِما أن الحاجة إليها أمسُّ إذ هي الركنُ في السد ووجودُها أعزُّ. قيل: حفَر الأساسَ حتى بلغ الماء وجعل الأساسَ من الصخر والنحاس المذابِ والبنيانَ من زُبر الحديد بينها الحطبُ والفحم حتى سدّ ما بين الجبلين إلى
    أعلاهما وكان مائةَ فرسخ وذلك قوله عز قائلاً: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} أي: آتَوه إياها فإخذ يبني شيئاً فشيئاً حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في السَّمْك على النهج المحكيِّ، {قَالَ} للعَمَلة {انفُخُوا} أي: بالكيران في الحديد المبني ففعلوا {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} أي: المنفوخ فيه {نَاراً} أي: كالنار في الحرارة والهيئة، وإسنادُ الجعل المذكور إلى ذي القرتين مع أنه فعلُ الفَعَلة للتنبيه علي أنه العُمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلةِ {قَالَ} للذين يتولَّوْن أمرَ النحاس من الإذابة ونحوِهما {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً }
    أي: آتوني قِطراً أي: نُحاساً مذاباً أفرِغْ عليه قطراً، أي: جيئوني كأنه يستدعيهم للإعانة باليد عند الإفراغ وإسنادُ الإفراغِ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفاً وكذا الكلامُ في قوله تعالى: {سَاوَى} وقولِه تعالى: {أَجْعَلْ}، {فَمَا اسْطَاعُوا} والفاء فصيحةٌ أي: فعلوا ما أُمروا به من إيتاء القِطْر أو الإتيانِ، فأفرغَه عليه، فاختلط والتصق بعضُه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً، فجاء يأجوجُ ومأجوجُ، فقصدوا أن يعلُوه وينقُبوه فما استطاعوا {أَن يَظْهَرُوهُ} أي: يعلوه ويرقَوا فيه لارتفاعه وملاسته {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً} لصلابته وثخانتِه، وهذه معجزةٌ عظيمةٌ لأن تلك الزُبَرَ الكثيرةَ إذا أثرت فيها حرارةُ النار
    لا يقدر الحيوانُ على أن يحوم حولها فضلاً عن النفخ فيها إلى أن تكون كالنار، أو عن إفراغ القِطر عليها فكأنه سبحانه وتعالى صرف تأثيرَ الحرارةِ العظيمة عن أبدان أولئك المباشرين للأعمال فكان ما كان والله على كل شيء قدير، {قَالَ} أي: ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديارِ وغيرهم، {هَذَا} إشارةٌ إلى السد، {رَحْمَةٌ} أي: أثرُ رحمةٍ عظيمة عبر عنه بها مبالغةً {مِّن رَّبِّي} على كافة العباد لا سيما على مجاوريه، وفيه إيذانٌ بأنه ليس من قبيل الآثارِ الحاصلةِ بمباشرة الخلقِ عادةً بل هو إحسانٌ إلهي محضٌ وإن ظهر بمباشرتي، والتعرّضُ لوصف الربوبية لتربية
    معنى الرحمة، {فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي} مصدر بمعنى المفعول وهو يومُ القيامة لا خروجُ يأجوجَ ومأجوجَ كما قيل إذ لا يساعده النظمُ الكريم، والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئَه ومجيءَ مباديه من خروجهم وخروجِ الدجالِ ونزولِ عيسى عليه الصلاة والسلام ونحوِ ذلك لا دنوُّ وقوعِه فقط كما قيل، {جَعَلَهُ} أي: السدَّ المشارَ إليه مع متانته ورصانتِه، وفيه من الجزالة ما ليس في توجيه الإشارةِ السابقة إلى التمكين المذكور {دَكَّاء} أي: أرضاً مستويةً، وكلُّ ما انبسط بعد ارتفاعٍ فقد اندك ومنه الجملُ الأدكُّ أي: المنبسطُ السنام، وهذا الجعلُ وقت مجيءِ الوعد بمجيء بعضِ مباديه،
    وفيه بيانٌ لعظم قدرتِه عز وجل بعد بيان سعةِ رحمته {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي} أي: وعدُه المعهودُ أو كلُّ ما وعد به فيدخُل فيه ذلك دخولاً أولياً {حَقّاً} ثابتاً لا محالةَ واقعاً البتة، وهذه الجملةُ تذييلٌ من ذي القرنين لما ذكره من الجملة الشرطيةِ ومقرِّرٌ مؤكدٌ لمضمونها وهو آخرُ ما حُكي من قصته.

    5
    المحاضرة الرابعة عشرة: (المقطع الثالث عشر):
    بعض مشاهد القيامة، والتنويه بشأن التنزيل المجيد، والرسول الكريم
    قوله تعالى: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً{99} وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً{100} الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً{101} أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً{102} قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً{103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً{104} أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً{105} ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً{106} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً{107} خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً{108} قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً{109}
    قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً{110}}
    وقوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ} كلامٌ مَسوقٌ من جنابه تعالى معطوفٌ على قوله تعالى: {جَعَلَهُ دَكَّاء} ومحقِّقٌ لمضمونه أي: جعلنا بعضَ الخلائق {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم إذ جاء الوعدُ بمجيء بعضِ مباديه {يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} آخرَ منهم يضطربون اضطرابَ أمواجِ البحر ويختلط إنسُهم وجنُّهم حَيارى من شدة الهول، ولعل ذلك قبل النفخةِ الأولى، أو تركنا بعضَ يأجوجَ ومأجوجَ يموج في بعض آخرَ منهم حين يخرُجون من السد مزدحمين في البلاد.
    {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} هي النفخةُ الثانية بقضية الفاء قوله تعالى: {فَجَمَعْنَاهُمْ} ولعل عدمَ التعرضِ لذكر النفخةِ الأولى لأنها داهيةٌ عامةٌ ليس فيها حالةٌ مختصة بالكفار، ولئلا يقعَ الفصلُ بين ما يقع منها في النشأة الأولى من الأحوال والأهوالِ، وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة، أي: جمعنا الخلائقَ بعدما تفرقت أوصالُهم وتمزقت أجسادُهم في صعيد واحدٍ للحساب والجزاء {جَمْعاً} أي: جمعاً عجيباً لا يُكتَنُه كُنهُه، {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ} أي: أظهرناها وأبرزناها {يَوْمَئِذٍ} أي: يومَ إذْ جمعنا الخلائقَ كافة
    {لِّلْكَافِرِينَ} منهم حيث جعلناها بحيث يرَوْنها ويسمعون لها تغيظاً وزفيراً {عَرْضاً} أي: عرضاً فظيعاً هائلاً لا يُقادَر قدرُه، وتخصيصُ العَرض بهم مع أنها بمرأى من أهل الجمعِ قاطبةً لأن ذلك لأجلهم خاصة، {الَّذِينَ كَانَتْ} وهم في الدنيا {أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء} كثيف وغشاوةٍ غليظة مُحاطةٍ من جميع الجوانب {عَن ذِكْرِي}عن الآيات المؤديةِ لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيدِ، أو كانت أعينُ بصائِرهم في غطاء عن ذكري على وجه يليق بشأني أو عن القرآن الكريم {وَكَانُوا} مع ذلك {لَا يَسْتَطِيعُونَ}لفَرْط تصامِّهم عن الحق وكمالِ
    عداوتهم للرسول عليه الصلاة والسلام {سَمْعاً} استماعاً لذكري وكلامي الحقِّ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، وهذا تمثيلٌ لإعراضهم عن الأدلة السمعيةِ كما أن الأولَ تصويرٌ لتعاميهم عن الآيات المشاهَدةِ بالأبصار، والموصولُ نعتٌ للكافرين أو بدلٌ منه أو بيانٌ جيء به لذمهم بما في حيز الصلةِ وللإشعار بعلّيته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنمَ لهم، فإن ذلك إنما هو لعدم استعمالِ مشاعرِهم فيما عَرَض لهم في الدنيا من الآيات وإعراضِهم عنها مع كونها أسباباً منجِّيةً عما ابتُلوا به في الآخرة، {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا}
    أي: كفروا بي كما يُعرب عنه قوله تعالى: {أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي} والحُسبان بمعنى الظن، والهمزةُ للإنكار والتوبيخِ على معنى إنكارِ الواقعِ واستقباحِه، كما في قولك: أضربتَ أباك؟ لا إنكارِ الوقوعِ، كما في قوله: أأضرِب أبي؟ والفاء للعطف على مقدر يُفصح عنه الصلةُ على توجيه الإنكارِ والتوبيخِ إلى المعطوفَين جميعاً كما إذا قُدّر المعطوفُ عليه في قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} منفياً أي: لا تسمعون فلا تعقلون لا إلى المعطوف فقط كما إذا قُدّر مُثْبتاً أي: أتسمعون فلا تعقلون، والمعنى: أكفروا بي مع جلالة شأني فحسِبوا
    {أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء} من الملائكة وعيسى وعُزيرٍ عليهم السلام وهم تحت سلطاني وملكوتي {أَوْلِيَاء } معبودين ينصُرونهم من بأسي،، وما في حيز صلةِ أن سادٌّ مسدَّ مفعولَيْ حسِب كما في قوله تعالى: {وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }المائدة71أي: أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياءَ على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لِما أنه إنما يكون من الجانبين، وهم عليهم الصلاة والسلام منزَّهون عن وَلايتهم بالمرة لقولهم: {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا
    مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ }سبأ41 {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ} أي: هيأناها {لِلْكَافِرِينَ}المعهودين، عدلَ عن الإضمار ذمًّا لهم وإشعاراً بأن ذلك الاعتادَ بسبب كفرهم المتضمّنِ لحسبانهم الباطل {نُزُلاً} أي: شيئاً يتمتعون به عند ورودِهم وهو ما يقام للنزيل أي: الضيفِ مما حضر من الطعامِ، وفيه تخطئةٌ لهم في حسبانهم وتهكّمٌ بهم حيث كان اتخاذُهم إياهم أولياءَ من قبيل إعتاد العتادِ وإعدادِ الزاد ليوم المعاد، فكأنه قيل: إنا أعتدنا لهم مكان ما أعدّوا لأنفسهم من العُدة والذُّخْر جهنمَّ عُدّةً، وفي إيراد النُزُل إيماءٌ إلى أن لهم
    وراءَ جهنمَ من العذاب ما هو أنموذجٌ له، وقيل: النزلُ موضعُ النزول، ولذلك فسره ابن عباس رضي الله عنهما بالمثوى. {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ} الخطابُ الثاني للكفرة على وجه التوبيخِ والجمعُ في صيغة المتكلم لتعيينه من أول الأمر وللإيذان بمعلومية النبأ للمؤمنين أيضاً {بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً } نصبٌ على التمييز والجمعُ للإيذان بتنوعها، وهذا بيانٌ لحال الكفرة باعتبار ما صدَر عنهم من الأعمال الحسَنةِ في أنفسها وفي حُسبانهم أيضاً حيث كانوا معجَبين بها واثقين بنيل ثوابِها ومشاهدةِ آثارِها غِبَّ بيان حالِهم باعتبار أعمالِهم السيئةِ في أنفسها مع كونها حسنةً في حسبانهم،
    {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} في إقامة تلك الأعمالِ أي: ضاع وبطَل بالكلية ومحلُّ الموصول الرفعُ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ لأنه جوابٌ للسؤال، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } وجعلُه مجروراً على أنه نعتٌ للأخسرين أو بدلٌ منه أو منصوباً على الذم على أن الجوابَ ما سيأتي من قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً } يأباه أن صدرَه ليس مُنْبئاً عن خُسران الأعمالِ وضلالِ السعي كما يستدعيه مقامُ الجواب،
    والتفريعُ الأولُ وإن دل على حبوطها لكنه ساكتٌ عن إنباء ما هو العُمدةُ في تحقيق معنى الخسرانِ من الوثوق بترتب الربحِ واعتقاد النفعِ فيما صنعوا على أن التفريعَ الثانيَ يقطع ذلك الاحتمالَ رأساً إذ لا مجال لإدراجه تحت الأمرِ بقضية نونِ العظمة، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} الإحسانُ الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ وهو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي، أي: يحسبَون أنهم يعملون ذلك على الوجه اللائقِ وذلك لإعجابهم بأعمالهم التي سعَوا في إقامتها وكابدوا في تحصيلها، والجملةُ حالٌ من فاعل ضل
    أي: بطل سعيُهم المذكورُ والحالُ أنهم يحسَبون أنهم يُحسنون في ذلك وينتفعون بآثاره، {أُولَئِكَ}كلامٌ مستأنفٌ من جنابه تعالى مَسوقٌ لتكميل تعريفِ الأخسرين وتبيينِ سبب خسرانِهم وضلالِ سعيهم وتعيينِهم بحيث ينطبق التعريفُ على المخاطبين غيرُ داخلٍ تحت الأمر، أي: أولئك المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي مع الحسبان المزورِ{الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} دلائله الداعيةِ إلى التوحيد عقلاً ونقلاً، والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ لزيادة تقبيحِ حالِهم في الكفر المذكور {وَلِقَائِهِ}بالبعث وما يتبعه من أمور الآخرة على ما هي عليه{ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} المعهودةُ حبوطاً كلياً
    {فَلَا نُقِيمُ}أي: لأولئك الموصوفين بما مر من حبوط الأعمالِ، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} أي: فنزدريهم ولا نجعل لهم مقداراً واعتباراً لأن مدارَه الأعمالُ الصالحة وقد حبِطت بالمرة، وحيث كان هذا الازدراءُ من عواقب حبوطِ الأعمال عُطف عليه بطريق التفريعِ، وأما ما هو من أجزية الكفرِ فسيجيء بعد ذلك، أو لا نضع لأجل وزنِ أعمالِهم ميزاناً لأنه إنما يوضع لأهل الحسناتِ والسيئاتِ من الموحّدين ليتمَّمَ به مقاديرُ الطاعات والمعاصي ليترتب عليه التكفير أو عدمُه لأن ذلك في الموحدين بطريق الكمية، وأما الكفرُ
    فإحباطه للحسنات بحسب الكيفيةِ دون الكمية فلا يوضع لهم الميزانُ قطعاً، {ذَلِكَ} بيانٌ لمآل كفرهم وسائرِ معاصيهم إثرَ بيان مآلِ أعمالِهم المحبَطة بذلك أي: الأمرُ ذلك، {جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ} جملةٌ مبيِّنةٌ له أو ذلك مبتدأٌ والجملةُ خبرُه والعائدُ محذوفٌ، أي: جزاؤُهم به أو جزاؤهم بدلَه وجهنمُ خبرُه أو جزاؤهم خبرُه وجهنمُ عطفُ بيانٍ للخبر{بِمَا كَفَرُوا} تصريحٌ بأن ما ذكر جزاءٌ لكفرهم المتضمن لسائر القبائحِ التي أنبأ عنها قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً} أي: مهزوًّا بهما فإنهم لم يقتنعوا بمجرد الكفرِ بالآيات
    والرسل، بل ارتكبوا مثلَ تلك العظيمة أيضاً. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بيانٌ بطريق الوعدِ لمآل الذين اتصفوا بأضداد ما اتصف به الكفرةُ إثرَ بيانِ ما لهم بطريق الوعيد، أي: آمنوا بآيات ربِّهم ولقائه { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} من الأعمال {كَانَتْ لَهُمْ} فيما سبق من حكم الله تعالى ووعدِه، وفيه إيماءٌ إلى أن أثرَ الرحمةِ يصل إليهم بمقتضى الرأفةِ الأزليةِ بخلاف ما مر من جعل جهنم للكافرين نزلاً، فإنه بموجب ما حدث من سوء اختيارِهم {جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ} وعن كعب: أنه ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
    وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في الجنة مائةُ درجةٍ ما بين كلِّ درجةٍ مسيرةُ مائة عام، والفردوسُ أعلاها وفيها الأنهارُ الأربعةُ فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفِردوسَ فإن فوقه عرشَ الرحمن ومنه تفجّر أنهار الجنة) {نُزُلاً} خبرُ كانت، فإن جعل النزول بمعنى ما يُهيَّأ للنازل فالمعنى كانت لهم ثمارُ جناتِ الفردوس نزلاً، أو جُعلت نفسُ الجنّات نزلاً مبالغةً في الإكرام، وفيه إيذانٌ بأنها عند ما أعد الله لهم على ما جرى على لسان النبوة من قوله: (أَعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عينٌ رأتُ، ولا أُذنٌ سمِعتْ ولا خطرَ على قلب بشر) بمنزلة النزلِ بالنسبة إلى الضيافة،
    وإن جُعل بمعنى المنْزِل فالمعنى ظاهر، {خَالِدِينَ فِيهَا} نصب على الحالية {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} مصدرٌ كالعِوج والصِّغر، أي: لا يطلبون تحوّلاً عنها إذ لا يُتصوّر أن يكون شيءٌ أعزَّ عندهم وأرفعَ منها حتى تُنازِعَهم إليه أنفسُهم وتطمَح نحوه أبصارُهم، ويجوز أن يراد نفيُ التحول وتأكيدُ الخلود، والجملة حالٌ من صاحب خالدين أو من ضميره فيه فيكون حالاً متداخِلةً. {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ} أي: جنسُ البحر {مِدَاداً} وهو ما تُمِدُّ به الدواةُ من الحبر {لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} لتحرير كلماتِ علمِه وحكمتِه التي من جملتها ما ذكر من الآيات الداعيةِ إلى التوحيد
    المحذّرة من الإشراك{لَنَفِدَ الْبَحْرُ} مع كثرته ولم يبقَ منه شيء لتناهيه {قَبْلَ أَن تَنفَدَ} والمعنى من غير أن تنفد {كَلِمَاتُ رَبِّي} لعدم نتاهيها فلا دِلالةَ للكلام على نفادها بعد نفادِ البحرِ، وفي إضافة الكلماتِ إلى اسم الربِّ المضافِ إلى ضميره صلى الله عليه وسلم في الموضعين من تفخيم المضافِ وتشريفِ المضاف إليه ما لا يخفى، وإظهارُ البحر والكلماتِ في موضع الإضمارِ لزيادة التقرير {وَلَوْ جِئْنَ} كلامٌ من جهته تعالى غيرُ داخل في الكلام الملقّن جيء به لتحقيق مضمونِه وتصديقِ مدلولِه مع زيادة مبالغةٍ وتأكيد، والواوُ لعطف الجملة على
    نظيرتها المستأنفةِ المقابلةِ لها المحذوفة لدِلالة المذكورةِ عليها دَلالةً واضحة، أي: لنفد البحرُ من غير نفادِ كلماته تعالى لو لم نجِىءْ بمثله مدداً ولو جئنا، بقدرتنا الباهرة {بِمِثْلِهِ مَدَداً} عوناً وزيادةً لأن مجموعَ المتناهيَيْن متناهٍ، بل مجموعُ ما يدخل تحت الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهياً لقيام الأدلةِ القاطعة على تناهي الأبعادِ،{قُلْ} لهم بعد ما بينْتَ لهم شأن كلماتِه تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} لا أدّعي الإحاطةَ بكلماته التامة {يُوحَى إِلَيَّ}ﭽ ﭼ من تلك الكلماتِ {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا شريكَ له في الخلق ولا في سائر
    أحكامِ الألوهيةِ، وإنما تميزْتُ عنكم بذلك {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ} الرجاءُ توقعُ وصولِ الخير في المستقبل، والمرادُ بلقائه تعالى كرامتُه، وإدخالُ الماضي على المستقبل للدِلالة على أن اللائقَ بحال المؤمن الاستمرارُ والاستدامةُ على رجاء اللقاءِ، أي: فمن استمر على رجاء كرامتِه تعالى {فَلْيَعْمَلْ} لتحصيل تلك الطِّلْبةِ العزيزة {عَمَلاً صَالِحاً} في نفسه لائقاً بذلك المرجوِّ كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} إشراكاً جلياً كما فعله الذين كفروا بآيات ربِّهم ولقائه، ولا إشراكاً كما يفعله أهلُ الرياء ومَنْ يطلبُ به أجراً،
    وإيثارُ وضعِ المُظهَرِ موضعَ المُضمر في الموضعين مع التعرض لعنوان الربوبيةِ لزيادة التقريرِ، وللإشعار بعلية العنوانِ للأمر والنهي ووجوبِ الامتثالِ فعلاً وتركاً.
    وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله، ثم ما يوحى إليه، وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم، في الطريق الأقوم، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره،
    والإحسان في العمل، مع البشارة لمن آمن، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر، فبان بذلك أن لله تعالى بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات الكمال، فصح أنه المستحق لجميع الحمد، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، قال الله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }يونس10.

  6. #25
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    193

    افتراضي

    تنبيه
    يا اخوان وياخوات السلام عليكم ركزو على المحاضرات المباشرة الثلاث انا بنفسي دقيت على الدكتور واستفسرت عن اشكالية بالواجب فقالي ركز على المباشرات الثلاث تكفيك والله يوفقنا جميعا

  7. #26
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    العمر
    26
    المشاركات
    1,463

    افتراضي

    الله يعطيك العافية على هالخبرية ~ فالك الـ A+
    الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات
    🎓😌🎉
    (خريجة / دراسات إسلامية)
    [ 1435هـ - 2014م ].

  8. #27
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    3,240

    افتراضي

    للي اخذوا المادة

    كلمونا عنها سهلة صعبة نص نص
    قسم الدراسات الإسلامية

    المستوى 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8

  9. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    553

    افتراضي

    السلام عليكم وتقبل الله طاعاتكم ومن العايدين

    ياليت يتم الرد على سؤالك أبو البراء..
    دراسات اسلاميه

    المستوى السادس

  10. #29
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    العمر
    26
    المشاركات
    1,463

    افتراضي

    إيلاف , وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة .. كل عآم وإنتِ طيبة والخير . . منا ومنكم صالح الأعمال يارب

    المقرر سهل ويسير والأختبار أيضاً كان سهل ماواجهت صعوبة شديده في حل الأسئلة وماكانت خارجه عن المحتوى والي يذكره الدكتور بمحاضراته

    وأتوقع فيه سؤال دقيق زي كم عدد آيات سورة الكهف << يمكن الصعوبة تكمن هنا . . والخيارات تكون متقاربه وصعبة تجيبها بسهوله

    ويتحدث عن قصة اصحاب الكهف واصحاب الجنتين وذا القرنين وموسى والخضر

    ومقرر بسيط بإذن الله إذا كانت الدراسة أول بأول
    الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات
    🎓😌🎉
    (خريجة / دراسات إسلامية)
    [ 1435هـ - 2014م ].

  11. #30
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    3,240

    افتراضي

    السلام عليكم

    فتحت المحاضرة الاولى للتفسير2 وولقيتها نفس الملخص هذا رح يريحنا كثير الله يجزاك خير

    هل الدكتور اسمه محمد العودات ام دكتور ثاني ؟
    قسم الدراسات الإسلامية

    المستوى 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8

الصفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

تعليمات المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •