الصفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
عرض النتائج 11 إلى 20 من 38

الموضوع: ¬» كل ما يخص مقرر ◦ [ التفسير 2 ] ◦

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    العمر
    27
    المشاركات
    3,658

    Pen ¬» كل ما يخص مقرر ◦ [ التفسير 2 ] ◦




    هنا لـــــــــــ مناقشة وإضافة كل ما يخص مقرر

    [ التفسير 2 ]

    من [ محاضرات مسجلةملخصاتواجباتقضاياالمناقشةنقل أهم ماجاء في اللقاءات المباشرة ]

    ليسهل الوصول إليها وتعم الفائدة على الجميع ...



    بتعاونكم تثمر الجهود

    تغريــد

    [2014] English language department - graduate ...{

    ܓܛܟ



    • my god take everything and give me only one request ,

      take all sweet of years .. make it a gift for my mom




  2. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    83

    Private الجواب

    1-بالنسبة للحل شيئ حليته حب معلوماتي من مواد سابقة وليس من الدرس لاني ماشفت الجواب
    2- بحثت عن مادة م ك ن وطلعت لي عدة اجابات اخترت منها الجواب الا ناسبني وانااسفة لو قلت انه الاسئلة صارت شبه تعجيزية ولكن حسب مافهمت منها انه الا وضعها يبينا نتوسع في المعلومات والله اعلم.
    ريحانة تقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  3. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    المشاركات
    133

    افتراضي

    اختي خديجة بارك الله بك انت وجميع الاخوة والاخوات انا حليت الواجب الثاني وعرفت الخطأ اللي عندك هو في السؤال الثاني


    الشائع في الاستعمال القرآني للمادة اللغوية (م ك ن) هو:
    تعديته بحرف الجر (في)
    تجرده عن حرف الجر
    تعديته بحرف الجر (على)
    أ + ب




    الاجابة الاخيرة هي الصحيحة
    بالتوفيق
    سبحان الله .. الحمد لله ..لا إله الا الله .. الله أكبر

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه اجمعين

  4. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    553

    افتراضي

    السلام عليكم عزيزاتي
    وكل من اخذ التفسير2
    كيف الماده هذا الفصل واش رأيكم فيها؟؟؟؟

    وهل هو نفس الدكتور في التفسير1 الفصل الماضي؟؟؟
    دراسات اسلاميه

    المستوى السادس

  5. #14
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    125

    افتراضي


    -

    أنتهت المحآضره المباشره ال3 والأخيره ..
    كل ماجاء فيها مراجعه شامله عن المنهج ، ماتكلم عن الاختبار ولا رد على اسئلتي اللي ارسلتها له ؟!
    الله يعين على هالماده !!
    اللي معهم هالماده كيف تشوفونها ، واللي تحته خط زي ماقالت قلم حبر يقول ركزوا عليه ، طيب واللي ماتحته خط نذاكره ولا نتركه : (
    >> وحده متكيسله ينفعها قل المحتوى !

    ،



    * و قُل رَبٍيّ زدنِيّ علمـآَ

  6. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    العمر
    26
    المشاركات
    1,463

    افتراضي

    =(

    يـآللكسل المتراكم =(

    رحيل من خلال ماذكرتيه يعني المراجعة الي ركز عليه بيجيب فيه اسئلة وخاف يجاوب ويعطيك الأسئلة =)

    وإلي ماتحته خط أقريه بفهم والي ابو خط احفظيه زي اسمك رحيل ==))

    وشسمه ابي حافز دراسي مير ان الكسل يطامر علي كلما هميت بالدراسة

    وقسم مابقى إلا اسبوعين الله المستعان بس يمدي اخلص المقررات كلهم لو أعقلها وأتوكل حق التوكل

    << العيب الي ارتكبته هالترم اني سويت جدول متابعه وطبعته وتحمست <<< عيب الحماس الزايد الي مانتي من أهله ههههههههه

    بالعادة ادرس على البركة إلهام من ربي وادري اني مخلصه هالمقرر بس لأن فيه جدول متابعه مخوفني

    + زيادة على ذلك برينت سكرين لجدول الإختبارات وتم وضعه باك قراوند < عشان لا أنسى ان أختباراتي قربت
    تفسير 2 سورة الكهف إلي كل يوم جمعة زي هاليوم نقرآها =)

    الله يسرها من عنده
    الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات
    🎓😌🎉
    (خريجة / دراسات إسلامية)
    [ 1435هـ - 2014م ].

  7. #16
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    تفسير 2
    المحاضرة الأولى
    مقدمات تتعلق بالقرآن الكريم وتفسيره
    مبادئ علم التفسير العشرة:
    :
    ولكل علم من العلوم عشرة مبادئ جمعها بعضهم في قوله:
    إنَّ مبادئَ كلَّ فن عشرة الحدُّ والموضوع ثم الثمرة
    وفضله ونسبة والواضع والاسم والاستمداد حكم الشارع
    مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرفا
    مبادئ علم التفسير العشرة:
    1.تعريفه.
    2. اسمه.
    3. نسبتُه.
    مقدمة عن طلب العلم والإخلاص فيه:
    4. موضوعه.
    5. ثمرته.
    6. فضله.
    7. استمداده.
    8. مسائله.
    9. حكمه.
    10. واضعه
    عناصر المحاضرة
    التفسير لغة: الكشف والبيان، فالتفسير مصدر من فسر تفسيرا إذا بيّن المراد من اللفظ أو التركيب القرآني، ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه وبلوغ النهاية في تحسينه من حيثية معرفة معانيه.
    التفسير اصطلاحا هو: الوقوف على مراد الله تعالى من كلامه بقدر الطاقة البشرية.
    فعلم التفسير: أحكام عامة، وقواعد كلية، وأصول مطردة، وقدر مشترك متفق عليه (غالبا) بين جميع أئمة التفسير
    طريقة العرض والشرح والاختبار
    (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{43} بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ){44}
    ثانيا: اسمه: علم التفسير.
    ثالثا: نسبته: نسبة علم التفسير إلى العلوم الشرعية هي نسبة العموم والخصوص المطلق، فعلم التفسير هو أصل جميع العلوم الشرعية ونسبتها إليه نسبة الفرع إلى الأصل، لا جرم إذا من كون علم التفسير هو رئيس العلوم الشرعية قاطبة وأما نسبته للعلوم غير الشرعية فهي نسبة التباين مثل نسبة علم التفسير لعلم الأحنة الوراثية.
    رابعا: موضوعه: الكلمات القرآنية من حيث المراد منها.

    تقسيم المنهج على المحاضرات
    خامسا: ثمرته: صون الفهم عن الخطأ في الأصول والفروع في المراد من ألفاظ القرآن الكريم، لئلا يتطرق التحريف والتغيير إلي الثوابت في شريعة القرآن الكريم، فقواعد التفسير الكلية والجزئية ليست مطلوبة لذاتها، وإنما هي مطلوبة لإتقان معاني القرآن الكريم فهما وتطبيقا.
    ويحسن بنا في هذا المقام أيما حسن الإشارة إلى المسلمات الثلاث التي ترشح التفسير بالمأثور على التفسير بالرأي.
    القرآن الكريم هو أهم مصادر التفسير بالمأثور، بل هو أهم مصادر التفسير على الإطلاق، فحيثما أردت التعرف على معنى آية قرآنية كريمة أو ما دونها فعليك أن تطلب ذلك أول ما تطلبه من التنزيل نفسه، فإن وجدت إلى ذلك سبيلا لم يسغ لك بحال من الأحوال أن تعدل به غيره، أطبق على ذلك كافة أهل السنة انطلاقا من مسلمات ثلاث:
    تقسيم المنهج على المحاضرات
    ا
    المسلمة الأولى: أن خير من يفسر القول قائله، لأنه أعرف بالذي فيه.
    المسلمة الثانية: أن من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن القرآن الكريم هو الأصل الأول الذي يقوم عليه هذا الدين، والذي لا يمكن أن يتحقق الإيمان بدون الأخذ به والإذعان لجميع ما فيه جملة وتفصيلا.
    المسلمة الثالثة: أن من جملة الأوامر الإلهية العديدة في القرآن الكريم نفسه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59رد جميع الأمر إليه
    تقسيم المنهج على المحاضرات
    اشتمل القرآن الكريم على أفانين العرب في كلامها كالإيجاز والإطناب، والإجمال والتبيين، والإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص. وما أُوجِزَ فى مكان قد يُبْسطَ فى مكان آخر، وما أُجْمِلَ فى موضع قد يُبيَّن فى موضع آخر، وما جاء مطلقاً فى ناحية قد يلحقه التقييد فى ناحية أخرى، وما كان عاماً فى آية قد يدخله التخصيص فى آية أُخرى.
    ولهذا كان لا بد لمن يتعرض لتفسير كتاب الله تعالى أن ينظر فى القرآن أولاً، فيجمع ما تكرر منه فى موضوع واحد، ويقابل الآيات بعضها ببعض، ليستعين بما جاء مسهبَاً على معرفة ما جاء موجَزاً، وبما جاء مُبيَّناً على فهم ما جاء مُجمْلاً، وليحمل المُطْلَق على المقيَّد، والعام على الخاص، وبهذا يكون قد فسرَّ القرآنَ بالقرآن، وفهم مراد الله بما جاء عن الله،
    تقسيم المنهج على المحاضرات
    وهذه مرحلة لا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها، ويتخطاها إلى مرحلة أخرى، لأن صاحب الكلام أدرى بمعانى كلامه، وأعرف به من غيره.
    وعلى هذا، فمن تفسير القرآن بالقرآن: أن يُفسر ما جاء مجَملاً فى القرآن بما جاء فى موضع آخر مُبيناً، وذلك كقصة آدم وإبليس، جاءت مختصرة فى بعض المواضع، وجاءت مُسْهَبة مطوَّلة فى موضع آخر، ومن تفسير القرآن بالقرآن: أن يُحمل المجمَل على المبيَّن لِيُفسَّر به، ومنه قوله تعالى:
    {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة37
    فسَّرها قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }الأعراف23
    ومن تفسير القرآن بالقرآن حمل المُطْلق على المُقيَّد، ومنه ما نقله حجة الإسلام الغزالى رحمه الله تعالى عن أكثر الشافعية من حمل المُطْلَق على المُقيَّد فى صورة اختلاف الحكمين عند اتحاد السبب، ومثَّلَ له بآية التيمم، فإن الأيدى مُقيَّدة فى الوضوء بالغاية فى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}المائدة6
    ومطلقة فى التيمم فى قوله تعالى:{فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}المائدة6
    فقيدت فى التيمم بالمرافق.
    ومن أمثلة حمل العام على الخاص نفى الخُلَّة والشفاعة على جهة العموم فى قوله تعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ }البقرة254
    وقد استثنى الله المتقين من نفى الخلة فى قوله تعالى:
    {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }الزخرف67
    سادسا: فضله: من أشرف العلوم لتعلقه بالقرآن الكريم الذي هو كلام رب العالمين، وهو رئيس العلوم الشرعية جميعا للمعايير الثلاثة التي بها تتمايز العلوم كما أوضحه الإمام الراغب الأصفهاني وهي:
    أولا: الموضوع.
    ثانيا: الغاية منه.
    ثالثا: شدة الحاجة إليه.
    سابعا: استمداده: وقد أُسْتُمِدَّ علم التفسير من العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية.
    فمن العلوم الشرعية علم الرواية عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم للقرآن الكريم أداء وتفسيرا كما علمه إياها أمين الوحي جبريل عليه السلام، ثم وصل إلينا متواترا من طريق الصحابة والتابعين وأئمة القراءات، وهذه الصفة مستمدة من العلوم واللهجات العربية، وقواعد التفسير التي وضعت في المائة الثانية للهجرة هي الضوابط لهذه الكيفية، المحددة لها، المستنبطة منها، وهي استجلاء واستخلاص لفهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم لتلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم وتفسيره للقرآن الكريم.
    ثامنا: مسائله: ومسائل علم التفسير تقسم إلى مسائل كلية، ومسائل جزئية.
    أمثلة على مسائل التفسيرالكلية:
    الأول: التفسير الثابت بالمأثور مقدم على التفسير بالرأي: قطعا.
    الثاني: المعول عليه في كل الكيفيات للنطق بالكلمات القرآنية هو الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
    الثالث: المعنى الذي يشهد له سياق القرآن الكريم الخاص أو العام مقدم على القول الذي لا يشهد له السياق القرآني.
    وأما أمثلة مسائل التفسير الجزئية فمنها:
    الأول: الفعل الماضي الناقص (كان) مفرغ من دلالته الزمنية إذا استعمل في جنب الله تبارك وتعالى.
    الثاني: فعلي الترجي (عسى) و (لعل) مجردان من معنى الترجي إذا استعملا في جنب الله تبارك وتعالى لاستحالة الترجي في حقه سبحانه وتعالى.
    الثالث: اسم سورة الكهف ثابت بالتوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم.
    فيجب معرفة مسائله: وهي قواعده المتعددة التي تحكُم كيفية فهمه وتفسيره.
    تاسعا: حكمه: حُكْمُ تَعَلُّمِه على الأمة الإسلامية: فرضُ كِفَايَةٍ، فإذا قام به من يكفي سقط عن الآخرين، وأما حُكْمُ تعلمه على المتخصص ففرض عين يأثم بالتقصير والتهاون فيه.
    عاشرا: واضِعُهُ:
    أولا: واضعه من حيثية الناحية العملية (التطبيقية) هو الرسول صلى الله عليه وسلم، كما تلقاه من جبريل الأمين عليه السلام، فعلم التفسير وحيٌ من عند الله سبحانه وتعالى
    ثانيا: واضعه من حيثية الناحية العلمية (قواعد علم التفسير النظرية) فهم علماء التفسير من صدر الإسلام إلى ما شاء الله تعالى، فأول كتاب موسوعي وصل إلينا هو تفسير جامع البيان عن تأويل أي: القرآن للإمام محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ.
    الفرق بين سبب النزول وعلم المناسبة
    قال الإمام الزركشي رحمه الله تعالى: وسبب النزول هو ما نزل بسببه قرآن من واقعة أو قصة أو سؤال، وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم وأفردوا فيه تصانيف منهم
    على بن المديني شيخ البخاري، ومن أشهرها تصنيف الواحدى في ذلك، وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ وليس كذلك بل له فوائد منها: وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب، ومنها الوقوف على المعنى.
    وقال الإمام الزركشي رحمه الله تعالى: واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول والمناسبة في اللغة المقاربة، ومنه المناسبة في العلة في باب
    . القياس الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم، ولهذا قيل المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، وكذلك المناسبة في فواتح الآى وخواتمها ومرجعها والله أعلم إلى معنى ما رابط بينهما عام أو خاص عقلي أو حسى أو خيالي وغير ذلك من أنواع العلاقات، أو التلازم الذهنى كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين، والضدين ونحوه، أو التلازم الخارجي كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر، وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض
    . فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم غير الأجزاء، وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي وقال في تفسيره: أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط.
    الفرق بين التفسير والتأويل
    قال علامة الرافدبن الآلوسي رحمه الله تعالى: قد تعارف من غير نكير أن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية تنكشف من سجف العبارات للسالكين وتنهل من سحب الغيب على قلوب العارفين والتفسير غير ذلك.
    ال

    الخطوات المنهجية لمحاضرة نموذجية في علم تفسير القرآن الكريم
    لا بد لمن يفسر القرآن الكريم أن يلم بالعلوم التى هى وسائل لفهم كتاب الله، وأدوات للكشف عن أسراره. لا بد المفسِّر أن يطلب المعنى أولاً من كتاب الله، فإن لم يجده طلبه من السُّنَّة، لأنها مفسرة للقرآن ومُوضِّحة له، فإن أعجزه ذلك رجع إلى أقوال الصحابة، لأنهم أدرى بكتاب الله وأعلم بمعانيه، لما اختُصوا به من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، فإن عجز عن هذا كله، ولم يظفر بشيء من تلك المراجع الأولى للتفسير
    فليس عليه بعد ذلك إلا أن يُعمل عقله، ويقدح فكره، ويجتهد وسعه فى الكشف عن مراد الله تعالى، مستنداً إلى الأصول التى تقدَّمت، مبتعداً عن كل الأمور التى تجعل المفسِّر فى عِداد المفسِّرين بالرأى المذموم، وعليه بعد ذلك أن ينهج فى تفسيره منهجاً يراعى فيه القواعد الآتية، بحيث لا يحيد عنها، ولا يخرج عن نطاقها، وهذه القواعد هى ما يأتى:
    1. مراعاة التأليف والغرض الذي سِيق له الكلام، والمؤاخاة بين المفردات، مثال موضوعات القرآن المكي تختلف عن موضوعات القرآن المدني فمحور القرآن
    المكي هو السمعيات المشتمل على الإلهيات والنبوات والغيبيات، ومحور القرآن المدني هو الأحكام المتعلقة بالمجتمع المدني من السلم والحرب والعهود والحدود.
    2. بيان المحاور الموضوعية التي يشتمل عليها المقطع المراد تفسيره.
    3. مراعاة التناسب بين الآيات، فيبيِّن وجه المناسبة، ويربط بين السابق واللاحق من آيات القرآن، حتى يوضِّح أن القرآن لا تفكك فيه، وإنما هو آيات متناسبة يأخذ بعضها بحُجز بعض، فالمصحف الذي بين أيدينا اليوم هو نفسه الموجود في اللوح المحفوظ.

    4. ملاحظة أسباب النزول. فكل آية نزلت على سبب فلا بد من ذكره بعد بيان المناسبة وقبل الدخول فى شرح الآية، وقد ذكر السيوطى فى الإتقان أن الزركشى قال فى أوائل البرهان:”قد جرت عادة المفسِّرين أن يبدأوا بذكر سبب النزول، ووقع البحث فى أنه: أيهما أولى بالبداءة؟ أيُبدأ بذكر السبب، أو بالمناسبة لأنها المصحِّحة لنظم الكلام، وهى سابقة على النزول؟ قال: والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفاً على سبب النزول كقوله تعالى:
    {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }النساء58
    فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر السبب، لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد. وإن لم يتوقف على ذلك، فالأولى تقديم وجه المناسبة"
    5. ذكر معاني الألفاظ التي تحتاج للبيان، والكشف عن الوجوه التي تحتملها نت الحقيقة والمجاز.

    6. بيان فقه التنزيل للآيات الكريمة وهو الحيثية التطبيقية في درس تفسير القرآن الكريم.
    7. إظهار أوجه الإعجاز التي تشتمل عليها الآيات القرآنية الكريمة.
    8. ذكر الهدي القرآتي للآيات الكريمة وهو بيان ما ترشد إليه الآيات القرآنية الكريمة.
    فائدة منهجية في كيفية التعامل مع الإسرائيليات في التفسير
    ذكر بعض من المفسرين هذه الروايات الإسرائيلية في التفسير مثل الأئمة الطبري، والبغوي، والخازن، والسيوطي، وهذه الروايات بهذا التفصيل فيما يتعلق بخروج الفتية وأسمائهم واسم ****م.. بجملتها متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين وحكوه عنهم لغرابته والعجب منه، وأضع هنا كلمات لبعض العلماء المحققين والمفسرين حيال هذه الروايات تغنينا عن التعليق عليها على امتداد
    التفسير في مواضع كثيرة: قال الحافظ ابن كثير في التفسير: "... ولم يخبرنا الله تعالى بمكان هذا الكهف، ولا في أي: البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا.. والله أعلم بأي: بلاد الله هو ولو كان فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه.. فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه". وبعد أن عرض لبعض الأقوال عن *** أصحاب الكهف ولونه قال: "واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة
    إليها بل هي مما ينهى عنه؛ فإن مستندها رجم بالغيب". وقال عن أسماء الفتية: "... وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم ****م نظر في صحته والله أعلم فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭼ أي: سهلا هينا فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة". وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: ".. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا ال*** نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في
    اسمه ولونه". وقال الأستاذ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن": "تجيء قصة أصحاب الكهف فتعرض نموذجا للإيمان في النفوس المؤمنة كيف تطمئن به وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس وكيف يرعى الله هذه النفوس المؤمنة ويقيها الفتنة ويشملها بالرحمة. وفي القصة روايات شتى وأقاويل كثيرة فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى ونحن نقف فيها عند ما جاء في القرآن فهو المصدر الوحيد المستيقن ونطرح سائر
    الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها وعن المراء فيها والجدل رجما بالغيب". وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في "أضواء البيان": "واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسمائهم وفي أي: محل من الأرض كانوا كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء زائد على ما في القرآن وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها".
    إضاءات على المحور الموضوعي لسورة الكهف
    سورة الكهف مكية بالإجماع، عدد آياتها 110 مائة وعشر آية عند الكوفيين، وعند البصريين مائة وإحدى عشرة آية، ومائة وخمس 105 آية عند المدنيين والمكيين، ومائة وست 106 آية عند الشاميين، ومدارس العد للآيات القرآنية الكريمة هي:
    1.مدرسة الحجازيين (المدنيين والمكيين).
    2.مدرسة الشاميين.
    3.مدرسة الكوفيين.
    4.مدرسة البصريين.
    مقصود سورة الكهف:
    إقامة الدليل على أن هذا الكتاب قيم ليتبع في كل حال، وأعظم ما يهدى إليه الإيمان بالله ونفي الشريك عنه، ومجمعه الإيمان بالغيب والآخرة، ومداره: الإيمان بالبعث، الذي
    أعربت عنه قصة أصحاب الكهف، التي مدارها الإيمان بالغيب، ولذلك سميت بها السورة، وكانت نذلك أحق من قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع الخضر، لأن خبرهم أخفى ما في السورة.
    فضائل سورة الكهف
    أخرج مسلم في فضل سورة الكهف من حديث أَبِى الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ).
    أخرج الشيخان في فضل سورة الكهف من حديث الْبَرَاءِ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ). وهذا الرجل هو أسيد بن حضير.
    وأخرج الإمام أحمد من حديث سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ أَوَّلَ سُورَة الْكَهْفِ وَآخِرَهَا كَانَتْ لَهُ نُوراً مِنْ قَدَمِهِ إِلَى رَأْسِهِ وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّهَا كَانَتْ لَهُ نُوراً مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ).
    الموضوعات التي تناولتها سورة الكهف
    سورة الكهف إحدى سور خمس بدئت بالحمد لله وهي: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر، والقصص هي مادة هذه السورة، ففي أولها تجيء قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة أصحاب الجنتين، ثم إشارة خاطفة لقصة آدم وإبليس، وفي وسطها قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع العبد الصالح، وفي نهاية السورة الكريمة تأتي قصة ذي القرنين، كما تشتمل السورة على تعقيبات لتلك القصص، كما ذكرت بعضا من مشاهد الدنيا والآخرة، وفي الختام تنتهي السورة بقوله تعالى:
    {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110 في إعلان الوحدانية وإنكار الشرك، وإثبات الوحي والرسالة، والتمييز المطلق بين الذات الإلهية وذوات الحوادث.

  8. #17
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة الثانية: (المقطع الأول):
    الكلام على رتبة القرآن الكريم العلية، والدعوة إلى التوحيد ونبذ الشريك

    :
    المناسبة
    قال الإمام البقاعي في مناسبة سورة الكهف بعد سورة الإسراء "لما ختمت سورة الإسراء بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالحمد عن التنزه عن صفات النقص لكونه أعلم الخلق بذلك {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً }الإسراء111 بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد على صفات الكمال التي منها البراءة عن كل نقص، منبها بذلك على وجوب حمده بما شرع من الدين على هذا الوجه الأحكم بهذا الكتاب القيم الذي خضعت لجلاله العلماء الأقدمون، وعجز عن معارضته الأولون والآخرون، الذي هو الدليل على ما ختمت به
    مقدمة عن طلب العلم والإخلاص فيه:

    تلك من العظمة والكمال، والتنزه والجلال، فقال ملقنا لعباده حمده، معلما لهم كيف يثنون عليه، مفقها لهم في اختلاف العبارات باختلاف المقامات قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا{1}}
    قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا{1} قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً{2} مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً{3} وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً{4}
    عناصر المحاضرة
    مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً{5} فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً{6} إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً{7} وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً{8}}
    {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ } أثنى الله على نفسه بإنعامه على خلقه، وخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن عليه كان نعمة عليه على الخصوص، وعلى سائر الناس على العموم، {الْكِتَابَ} أي: الكتابَ الكاملَ الغنيَّ عن الوصف بالكمال
    طريقة العرض والشرح والاختبار
    المعروفِ بذلك من بين الكتبِ، الحقيقَ باختصاص اسمِ الكتابِ به، وهو عبارةٌ عن جميع القرآنِ أو عن جميع المُنْزَل حينئذ، وفي وصفه تعالى بالموصول إشعارٌ بعلّية ما في حيز الصلةِ لاستحقاق الحمدِ وإيذانٌ بعِظم شأنِ التنزيلِ الجليلِ، كيف لا وعليه يدور فَلكُ سعادةِ الدارين، وفي التعبير عن الرسول عليه الصلاة والسلام بالعبد مضافاً إلى ضمير الجلالةِ تنبيهٌ على بلوغه عليه الصلاة والسلام إلى أعلى معارجِ العبادةِ وتشريفٌ وإشعارٌ بأن شأنَ الرسولِ وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع أن حقه التقديمُ عليه ليتصل به قوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} أي: شيئاً من العِوَج بنوع اختلالٍ في النظم وتَنافٍ في المعنى أو انحرافٍ عن الدعوة إلى الحق وهو في المعاني كالعِوَج في الأعيان.
    أن يكون عبداً للمرسِل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام،
    تقسيم المنهج على المحاضرات
    {قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً }الكهف2 {قَيِّماً} أي: مستقيما. قال ابن عباس: عدلا. وقال الفراء: قيما على الكتب كلها أي: مصدقا لها ناسخا لشرائعها.
    وقال قتادة: معناه: أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، ولكن جعله قيما ولم يكن مختلفا على ما قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82
    { لِّيُنذِرَ }متعلقٌ بأنزل والفاعلُ ضميرُ الجلالة كما في الفعلين المعطوفين عليه، والإطلاقُ
    تقسيم المنهج على المحاضرات
    ا
    عن ذكر المفعولِ الأول للإيذان بأن ما سيق له الكلامُ هو المفعولُ الثاني وأن الأولَ ظاهرٌ لا حاجةَ إلى ذكره، أي: أنزل الكتابَ لينذر بما فيه الذين كفروا به{ بَأْساً} أي: عذاباً { بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ} صادراً من عنده نازلاً من قِبله بمقابلة كفرِهم وتكذيبهم، {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: المصدقين به {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} الأعمالَ الصالحةَ التي بيّنت في تضاعيفه، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال في الصلة للإشعار بتجدد الأعمالِ الصالحة واستمرارِها، وإجراءُ الموصولِ على موصوفه المذكورِ لما أن مدارَ قَبولِ الأعمالِ هو الإيمان {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً } أي: بأن لهم بمقابلة إيمانِهم وأعمالِهم المذكورة هو الجنةُ وما فيها من المثوبات الحُسنى، {مَاكِثِينَ فِيهِ} حال من الضمير المجرور في لهم أي: مقيمين فيه. {أَبَداً }
    تقسيم المنهج على المحاضرات
    عن ذكر المفعولِ الأول للإيذان بأن ما سيق له الكلامُ هو المفعولُ الثاني وأن الأولَ ظاهرٌ لا حاجةَ إلى ذكره، أي: أنزل الكتابَ لينذر بما فيه الذين كفروا به{ بَأْساً} أي: عذاباً { بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ} صادراً من عنده نازلاً من قِبله بمقابلة كفرِهم وتكذيبهم، {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: المصدقين به {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} الأعمالَ الصالحةَ التي بيّنت في تضاعيفه، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال في الصلة للإشعار بتجدد الأعمالِ الصالحة واستمرارِها، وإجراءُ الموصولِ على موصوفه المذكورِ لما أن مدارَ قَبولِ الأعمالِ هو الإيمان {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً } أي: بأن لهم بمقابلة إيمانِهم وأعمالِهم المذكورة هو الجنةُ وما فيها من المثوبات الحُسنى، {مَاكِثِينَ فِيهِ} حال من الضمير المجرور في لهم أي: مقيمين فيه. {أَبَداً }
    تقسيم المنهج على المحاضرات
    الموصولِ على الموصوف كما فُعل في قوله تعالى: ، {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} للإيذان بكفاية ما في حيز الصلةِ في الكفر على أقبح الوجوه، وإيثارُ صيغةِ الماضي في الصلة للدِلالة على تحقق صدورِ تلك الكلمةِ القبيحة عنهم فيما سبق. ويجوز أن يكون الفاعلُ في الأفعال الثلاثة ضميرَ الكتاب أو ضميرَ الرسول عليه الصلاة والسلام.
    {مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً }الكهف5 {مَّا لَهُم بِهِ} أي: باتخاذه سبحانه وتعالى ولداً {مِنْ عِلْمٍ} مرفوعٌ على الابتداء أو الفاعلية لاعتماد الظرفِ، ومِن مزيدةٌ لتأكيد النفي حالِهم في مقالهم، أي: ما لهم بذلك شيءٌ من علم أصلاً لا لإخلالهم بطريقه مع تحقيق والجملةُ حاليةٌ أو مستأنَفةٌ لبيان
    المعلومِ أو إمكانِه بل لاستحالته في نفسه {وَلَا لِآبَائِهِمْ}الذين قلدوهم فتاهوا جميعاً في تيه الجهالةِ والضلالةِ أو ما لهم علمٌ بما قالوه أهو صوابٌ أم خطأٌ، بل إنما قالوه رمياً عن عمًى وجهالةٍ من غير فكر ورويّةٍ كما في قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ }الأنعام100 أو بحقيقة ما قالوه وبعظم رُتبتِه في الشناعة كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً{88} لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً{89} تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ
    وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً{90} أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً{91} وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً{92} إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً{93} لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً{94} وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً{95}} وهو الأنسب بقوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً} أي: عظُمت مقالتُهم هذه في الكفر والافتراءِ لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائِه، والفاعلُ في كبُرت إما ضميرُ المقالةِ المدلولِ عليها بقالوا وكلمةً نُصبَ على التمييز أو ضميرٌ مبهمٌ مفسَّرٌ بما بعده من النكرة المنصوبةِ تمييزاً كبئس رجلاً، والمخصوصُ
    بالذم محذوفٌ تقديرُه كبُرت هي كلمةً خارجةً من أفواههم، وقيل: من كلمة فحذف "من" فانتصب بنزع الخافض {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} صفةٌ للكلمة مفيدةٌ لاستعظام اجترائِهم على التفوه بها، وإسنادُ الخروجِ إليها مع أن الخارجَ هو الهواءُ المتكيفُ بكيفية الصوتِ لملابسته بها {إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً} ما يقولون في ذلك الشأنِ، أي: إلا قولاً كذباً لا يكاد يدخُل تحت إمكانِ الصدق أصلاً، والضميران لهم ولآبائهم.
    {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً }الكهف6
    مُثّل حالُه عليه الصلاة والسلام في شدة الوجدِ على إعراض القومِ وتولّيهم عن الإيمان بالقرآن وكمالِ التحسّر عليهم بحال من يُتوقع منه إهلاكُ نفسِه إثرَ فواتِ ما يُحِبّه عند مفارقة أحبّتِه تأسفاً على مفارقتهم وتلهفاً على مهاجَرتهم، فقيل على طريقة التمثيلِ حملاً له عليه الصلاة والسلام على الحذر والإشفاق من ذلك {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ} أي: مُهلكٌ {نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} غماً ووجداً على فراقهم وقرىء بالإضافة {إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً } أي: القرآنِ الذي عبّر عنه في صدر السورةِ بالكتاب، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ ثقةً
    بدلالة ما سبق عليه، وقرىء بأنْ المفتوحةِ أي: لأن لم يؤمنوا، فإعمالُ باخعٌ بحمله على حكاية حالٍ ماضيةٍ لاستحضار الصورةِ كما في قوله عز وجل: { وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}الكهف18{أَسَفاً} أي: حزنا، وقيل: غضبا {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ }الزخرف55. مفعولٌ له (مفعول لأجله) لباخعٌ أي: لِفَرْط الحزنِ والغضبِ، أو حالٌ مما فيه الضمير أن متأسفاً عليهم، {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً} الكهف7 استئنافٌ وتعليلٌ لما في لعل من معنى الإشفاقِ، أي: إنا جعلنا ما عليها ممن عدا
    مَنْ وُجّه إليه التكليفُ من الزخارف حيواناً كان أو نباتاً أو معدِناً كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }البقرة29 {زِينَةً} مفعولٌ ثانٍ للجعل إن حُمل على معنى التصييرِ، أو حالٌ إن حمل على معنى الإبداعِ، واللام في {لَّهَا} إما متعلقةٌ بزينةً أو بمحذوف هو صفةٌ لها أي: كائنةً لها أي: ليتمتع بها الناظرون من المكلفين وينتفعوا بها نظراً واستدلالاً، فإن الحياتِ والعقاربَ من حيث تذكيرُهما لعذاب الآخرة من قبيل المنافِع بل كلُّ حادثٍ داخلٌ تحت
    الزينة من حيث دَلالتُه على وجود الصانعِ ووَحدتِه فإن الأزواجَ والأولادَ أيضاً من زينة الحياةِ الدنيا بل أعظمُها ولا يمنع ذلك كونُهم من جملة المكلفين فإنهم من جهة انتسابهم إلى أصحابهم داخلون تحت الزينةِ ومن جهة كونهم مكلفين داخلون تحت الابتلاء، { لِنَبْلُوَهُمْ} متعلقٌ بجعلنا أي: جعلنا ما جعلنا لنعاملَهم معاملةَ من يختبرهم {أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } فنجازيهم بالثواب والعقابِ حسبما تبين المحسنُ من المسيء وامتازت طبقاتُ أفرادِ كلَ من الفريقين حسب امتيازِ مراتبِ علومِهم المرتبة على أنظارهم وتفاوتِ درجاتِ أعمالِهم
    المتفرّعةِ على ذلك، وحُسنُ العملِ الزهدُ فيها وعدمُ الاغترار بها والقناعةُ باليسير منها وصرفُها على ما ينبغي والتأملُ في شأنها وجعلُها ذريعةً إلى معرفة خالقِها والتمتعُ بها حسبما أذِن له الشرعُ وأداءُ حقوقها والشكرُ لها، لا اتخاذُها وسيلةً إلى الشهوات والأغراضِ الفاسدة كما يفعله الكفرةُ وأصحابُ الأهواء.
    {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ} فيما سيأتي عند تناهي عُمرِ الدنيا {مَا عَلَيْهَ} من المخلوقات قاطبةً بإفنائها بالكلية وإنما أُظهر في مقام الإضمارِ لزيادة التقريرِ أو لإدراج المكلفين فيه .
    {صَعِيداً} مفعولٌ ثانٍ للجعل، والصعيدُ الترابُ أو وجهُ الأرضِ، قال أبو عبيدةَ: هو المستوي من الأرض، وقال الزجاجُ: هو الطريقُ الذي لا نبات فيه {جُرُزاً} تراباً لا نباتَ فيه بعد ما كان يَتعجَّب من بهجته النُّظارُ وتتشرف بمشاهدته الأبصارُ، يقال: أرضٌ جرُزٌ لا نباتَ فيها وسَنةٌ جرُزٌ لا مطر فيها. قال الفراء: جُرِزَت الأرضُ فهي مجرُوزة أي: ذهب نباتُها بقحط أو جراد،
    ويقال: جرَزها الجرادُ والشاةُ والإبلُ إذا أكلت ما عليها، وهذه الجملةُ لتكميل ما في السابقة من التعليل، والمعنى لا تحزنْ بما عاينْتَ من القوم من تكذيب ما أنزلنا عليك من الكتاب فإنا قد جعلنا ما على الأرض من فنون الأشياءِ زينةً لها لنختبرَ أعمالَهم فنجازِيَهم بحسبها وإنا لَمُفْنون جميعَ ذلك عن قريب ومجازون لهم بحسب أعمالهم.

  9. #18
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة الثالثة: (المقطع الثاني):
    المشهد الأول من قصة أصحاب الكهف

    :
    قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً{9} إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً{10} فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً{11} ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً{12} نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً{14} هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً{15}}.

    {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً }الكهف9
    {أَمْ حَسِبْتَ} الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرادُ إنكارُ حُسبانِ أمّته، وأم منقطعةٌ مقدّرة ببل التي هي للانتقال من حديث إلى حديث لا للإبطال، وبهمزة الاستئنافِ عند الجمهور وببل وحدها عند غيرِهم أي: بل أحسبت {أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُو} في بقائهم على الحياة مدةً طويلةً من الدهر {مِنْ آيَاتِنَا} من بين آياتِنا التي من جملتها ما ذكرناه مِنْ جعْل ما على الأرض زينةً لها للحكمة المشارِ إليها ثم جعلِ ذلك كلِّه صعيداً
    جرُزاً كأن لم تغْنَ بالأمس {عَجَباً} أي: آيةً ذاتَ عجَبٍ وضْعاً له موضعَ المضاف أو وصفاً لذلك بالمصدر مبالغةً، وهو خبرٌ لكانوا ومن آياتنا حالٌ منه، والمعنى أن قصّتَهم وإن كانت خارقةً للعادات ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآياتِ التي من جملتها ما ذكر من تعاجيب خلق الله تعالى بل هي عندها كالنزْر الضئيل، والكهفُ الغارُ الواسعُ في الجبل، والرقيمُ هو لوحٌ رُقمت فيه أسماؤُهم وجُعل على باب الكهفِ، وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهفُ فهو من رَقْمة الوادي أي: جانبِه، وقيل: الجبلُ، وقيل: قريتُهم، وقيل: أصحابُ الرقيم
    آخرون وكانوا ثلاثةً انطبق عليهم الغارُ فنجَوْا بذكر كلَ منهم أحسنَ عمله على ما فُضِّل في الصحيحين.
    {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ} هم أصحابُ الكهف، أوثر الإظهارُ على الإضمار لتحقيق ما كانوا عليه في أنفسهم من حال الفتوةِ فإنهم كانوا فتيةً من أشراف الرومِ أرادهم دقيانوسُ على الشرك فهربوا منه بدينهم ولأن صاحبيّةَ الكهف من فروع التجائِهم إلى الكهف فلا يناسب اعتبارُها معهم قبل بيانه {إِلَى الْكَهْفِ} بجلبهم للجلوس واتخذوه مأوى {إفَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ} من خزائن رحمتِك الخاصةِ المكنونةِ عن عيون أهلِ العادات، فمن ابتدائيةٌ
    متعلقةٌ بآتنا {رَحْمَةً} خاصةً تستوجب المغفرةَ والرزقَ والأمنَ من الأعداء { وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا} الذي نحن عليه من مهاجَرة الكفارِ والمثابرة على طاعتك، وأصلُ التهيئةِ إحداثُ هيئةِ الشيء، أي: أصلحْ ورتِّب وأتممْ لنا من أمرنا {رَشَداً} إصابةً للطريق الموصلِ إلى المطلوب واهتداءً إليه،{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} ثم أنَمناهم على طريقة التمثيل المبنيِّ على تشبيه الإنامةِ الثقيلةِ المانعةِ عن وصول الأصواتِ إلى الآذان بضرب الحجابِ عليها، وتخصيصُ الآذان بالذكر مع اشتراك سائرِ المشاعرِ لها في الحجْب عن الشعور عند النومِ لما أنها المحتاجُ إلى الحجب عادة، إذ هي الطريقةُ للتيقظ غالباً لا سيما عند انفرادِ النائم
    واعتزالِه عن الخلق، {فِي الْكَهْفِ} ظرف مكان لضربنا {سِنِينَ} ظرفُ زمان له باعتبار بقائِه لا ابتدائِه {عَدَداً} أي: ذواتَ عدد أو تُعدّ عدداً على أنه مصدرٌ أو معدودةً على أنه بمعنى المفعول، ووصفُ السنين بذلك إما للتكثير وهو الأنسبُ بإظهار كمالِ القدرةِ أو للتقليل وهو الأليقُ بمقام إنكارِ كون القصةِ عجباً من بين سائر الآياتِ العجيبة فإن مدة لُبثهم كبعض يومٍ عنده عز وجل.
    {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} ثم أيقظناهم من تلك النومةِ الثقيلة الشبيهة بالموت {لِنَعْلَمَ} بنون العظمة، فهو غايةٌ للبعث لكن لا بجعل العلمِ مجازاً من الإظهار والتمييز، أو بحمله على ما يصِح
    وقوعُه غايةً للبعث الحادثِ من العلم الحالي الذي يتعلق به الجزاءُ كما في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}البقرة143 ونظائِره التي يتحقق فيها العلمُ بتحقق متعلقِه قطعاً، فإن تحويلَ القِبلة قد ترتب عليه تحزّبُ الناس إلى متّبعٍ ومنقلب، وتعلق بكل من الفريقين العلمُ الحالي والإظهارُ والتمييزُ، وهو المرادُ هاهنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملةَ من يختبرهم.
    {أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} أي: الفريقين المختلفَين في مدة لُبثهم بالتقدير والتفويض {أَحْصَى} أي: أضبط {لِمَا لَبِثُوا} أي: للبثهم {أَمَداً } أي: غايةً فيظهر لهم عجزُهم ويفوضوا ذلك إلى
    العليم الخبير ويتعرفوا حالَهم وما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانِهم وأديانِهم فيزدادوا يقيناً بكمال قدرتِه وعلمِه ويستبصروا به أمرَ البعث ويكون ذلك لطفاً لمؤمني زمانِهم وآيةً بينة لكفارهم، وقد اقتُصر هاهنا من تلك الغايات الجليلةِ على ذكر مبدئِها الصادرِ عنه عز وجل وفيما سيأتي على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدّي إليها. {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} شروعٌ في تفصيل ما أُجمل فيما سلف من قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} ثم نحن نخبرك بتفاصيل أخبارِهم، {نَبَأَهُم} النبأُ الخبرُ الذي له شأنٌ وخطرٌ { بِالْحَقِّ} إما صفةٌ لمصدر محذوف أو حالٌ من صمير نقصّ أو من ( نبأَهم) أو صفةٌ له على رأي: من يرى
    حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه، أي: نقصّ قَصصاً ملتبساً بالحق أو نقصّه ملتبسين به أو نقص نبأهم ملتبساً به أو نبأهم الملتبسَ به، ونبأهم حسبما ذكره محمدُ بن إسحاقَ بنِ يسارَ أنه مرَج أهلُ الإنجيل وعظُمت فيهم الخطايا وطغت ملوكُهم فعبدوا الأصنامَ وذبحوا للطواغيت، وكان ممن بالغ في ذلك وعتا عتوًّا كبيراً دقيانوس فإنه غلا فيه غلوًّا شديداً فجاس خلالَ الديار والبلاد بالعبث والفسادِ وقتل مَنْ خالفه من المتمسكين بدين المسيحِ عليه السلام، وكان يتبع الناسَ فيخيّرهم بين القتل وعبادةِ الأوثانِ فمن رغِب في الحياة
    الدنيا الدنية يصنع ما يصنع ومن آثر عليها الحياةَ الأبديةَ قتله وقطعه إربا وعلقها في سور المدينةِ وأبوابِها، فلما رأى الفتيةُ ذلك وكانوا عظماءَ أهلِ مدينتهم، وقيل: كانوا من خواصّ الملك، قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا بالصلاة والدعاء.
    فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوانُ الجبار فأحضروهم بين يديه فقال لهم ما قال وخيّرهم بين القتل وبين عبادةِ الأوثان، فقالوا: إن لنا إلها ملأ السمواتِ والأرضَ عظمتُه وجبروتُه لن ندعوَ من دونه أحداً، ولن نُقِرّ بما تدعونا إليه إبداً فاقضِ ما أنت قاضٍ، فأمر ُ
    بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرةِ وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى مدينة نينوى لبعض شأنِه وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم فإن تبِعوه وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين، فأزمعت الفتيةُ على الفرار بالدين والالتجاء إلى الكهف الحصين، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئاً فتصدّقوا ببعضه وتزوّدوا بالباقي فأوَوا إلى الكهف فجعلوا يصلّون فيه آناءَ الليل وأطرافَ النهار ويبتهلون إلى الله سبحانه بالأنين والجُؤار وفوّضوا أمرَ نفقتِهم إلى يمليخا، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابَه الحِسانَ ويلبس لباس المساكين ويدخُل المدينة
    ويشتري ما يُهمّهم ويتحسس ما فيها من الأخبار ويعود إلى أصحابه، فلبِثوا على ذلك إلى أن قدم الجبارُ المدينةَ فطلبهم وأحضر آباءَهم فاعتذروا بأنهم عصَوْهم ونبهوا أموالَهم وبذروها في الأسواق وفرّوا إلى الجبل، فلما رأى يمليخا ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليلٌ من الزاد فأخبرهم بما شهده من الهول ففزِعوا إلى الله عز وجل وخرّوا له سُجّداً ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم فناموا ونفقتُهم عند رؤوسهم، فخرج دقيانوس في طلبهم بخيله
    ورَجِلِه فوجدوهم قد دخلوا الكهفَ فأمر بإخراجهم فلم يُطِق أحدٌ أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعاً قال قائل منهم: أليس لو كنتَ قدَرتَ عليهم قتلتَهم؟ قال: بلى، قال: فابْنِ عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً وليكن كهفُهم قبراً لهم، ففعل ثم كان من شأنهم ما قص الله عز وجل عنهم، {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} استئنافٌ تحقيقيٌّ مبني على تقدير السؤالِ من قبل المخاطَب، والفتيةُ جمعُ قلة للفتى كالصبية للصبى{آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} أوثر الالتفاتُ للإشعار بعلّية وصفِ الربوبية لإيمانهم ولمراعاة ما صدر عنهم من المقالة حسبما سيُحكى
    عنهم {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين وأظهرنا لهم مكنوناتِ محاسنِه، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى ما عليه سبكُ النظمِ سباقاً وسياقاً من التكلم،{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} ثم قويناها حتى اقتحموا مضايقَ الصبر على هجر الأهلِ والأوطانِ والنعيم والإخوانِ، واجترأوا على الصدْع بالحق من غير خوف، وحذِروا الردَّ على دقيانوسَ الجبار {إِذْ قَامُوا} منصوبٌ بربطنا والمرادُ بقيامهم انتصابُهم لإظهار شعارِ الدين {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ضمّنوا دعواهم ما يحقق فحواها ويقضي بمقتضاها فإن
    ربوبيتَه عز وجل لهما تقتضي ربوبيتَه لما فيهما أي: اقتضاءٍ، {لَن نَّدْعُوَ} لن نعبدَ أبداً
    {لمِن دُونِهِ} معبوداً آخرَ لا استقلالاً ولا اشتراكاً، والعدولُ عن أن يقال: ربًّا للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامَهم آلهةً وللإشعار بأن مدارَ العبادة وصفُ الألوهية وللإيذان بأن ربوبيتَه تعالى بطريق الألوهيةِ لا بطريق المالكية المجازية {لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} أي: قولاً ذا شططٍ أي: تجاوزَ عن الحد أو قولاً هو عينُ الشطط، على أنه وُصفَ بالمصدر مبالغةً ثم
    وحيث كانت العبادةُ مستلزِمةً للقول لما أنها لا تَعرَى عن الاعتراف بألوهية المعبودِ والتضرّعِ إليه قيل: لقد قلنا، وإذاً جوابٌ وجزاءٌ أي: لو دعَونا من دونه إلها والله لقد قلنا قولاً خارجاً عن حد العقولِ مُفْرِطاً في الظلم، {هَؤُلَاء} هو مبتدأ وفي اسم الإشارةِ تحقيرٌ لهم {قَوْمُنَا} عطفُ بيانٍ له {اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً} خبرُه وفيه معنى الإنكار {لَّوْلَا يَأْتُونًَ} تخصيصٌ فيه معنى الإنكارِ والتعجيزِ أي: هلا يأتون {عَلَيْهِم} على ألوهيتهم أو على صحة اتخاذِهم لها آلهةً { بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} بحجة ظاهرةِ الدلالةِ على مُدّعاهم وهو تبكيتٌ لهم
    وإلقامُ حجرٍ {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} بنسبة الشريكِ إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، والمعنى أنه أظلمُ من كل ظالمٍ، وإن كان سبكُ النظمِ على إنكار الأظلميةِ من غير تعرضٍ لإنكار المساواة.

  10. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة الرابعة: (المقطع الثالث):
    المشهد الثاني من قصة أصحاب الكهف.

    :
    قوله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً{16} وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً{17} وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً{18} وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ

    قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً{19} إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً{20}}.
    {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ} أي: فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم الاعتزالَ الجُسمانيَّ {وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} عطفٌ على الضمير المنصوبِ وما موصولةٌ أو مصدريةٌ، أي: إذِ اعتزلتموهم
    ومعبودِيهم إلا الله أو وعبادتَهم إلا عبادةَ الله وعلى التقديرين فالاستثناءُ متصلٌ، ويجوز كونُ ما نافيةً على أنه إخبارٌ من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترضٌ بين إذْ وجوابِه {فَأْوُوا} أي: التجِئوا { إِلَى الْكَهْفِ} قال الفراء: هو جوابُ إذ، كما تقول: إذْ فعلتَ فافعل كذا، وقيل: هو دليلٌ على جوابه أي: إذ اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جُسمانياً، أو إذا أردتم اعتزالَهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف { يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم} يبسُطْ لكم ويوسِّعْ عليكم مالكُ أمرِكم {مِّن رَّحمته} في {ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم
    مِّرْفَقاً } يسهلْ لكم الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين ما ترتفقون وتنتفعون به.
    {وَتَرَى الشَّمْسَ} بيانٌ لحالهم بعد ما أَوَوا إلى الكهف، ولم يصرح به إيذاناً بعدم الحاجةِ إليه لظهور جرَيانِهم على موجب الأمرِ به لكونه صادراً عن رأي: صائبٍ وتعويلاً على ما سلف في صدر السورة من قوله سبحانه: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} وما لحق من إضافة الكهفِ إليهم وكونِهم في فجوة منه، والخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب، وليس المرادُ به الإخبارَ بوقوع الرؤيةِ تحقيقاً بل الإنباءُ بكون
    الكهفِ بحيث لو رأيته ترى الشمس { إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ} أي: تتزاوَر وتتنحّى بحذف إحدى التاءين، وهي من الزَّوَر وهو الميل {عَن كَهْفِهِمْ} الذي أووا إليه فالإضافة لأدنى ملابسة { ذَاتَ الْيَمِينِ}
    أي: جهةَ ذاتِ يمين الكهفِ عند توجه الداخلِ إلى قعره أي: جانبه الذي يلي المغرِبَ فلا يقع عليهم شعاعُها فيؤذيهم {وَإِذَا غَرَبَت} أي: تراها عند غروبها { تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} أي: تقطَعهم من القطيعة والصَّرْم ولا تقربهم أي: جهةَ ذاتِ شمال الكهف أي: جانبه الذي يلي المشرِق، وكان ذلك بتصريف الله سبحانه على منهاج خرقِ العادةِ كرامةً لهم، وقوله تعالى: { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} جملةٌ حالية مبينةٌ لكون ذلك أمراً بديعاً أي: تراها تميل عنهم يميناً وشمالاً ولا تحوم حولهم مع أنهم في متّسع من الكهف معرَّضٍ لإصابتها لولا أن صرفتْها عنهم يدُ التقدير.
    {ذَلِكَ} أي: ما صنع الله بهم من تزاوُر الشمسِ وقَرْضِها حالتي الطلوعِ والغروب مع كونهم في موقع شعاعِها { مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} العجيبةِ الدالةِ على كمال علمِه وقدرتِه وحقية
    التوحيدِ وكرامةِ أهله عنده سبحانه وتعالى. { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} إلى الحق بالتوفيق له الذي أصاب الفلاحَ، والمرادُ إما الثناءُ عليهم والشهادةُ لهم بإصابة المطلوبِ والإخبارُ بتحقيق ما أمّلوه من نشر الرحمةِ وتهيئةِ المرافق، أو التنبيهُ على أن أمثالَ هذه الآيةِ كثيرةٌ ولكن المنتفعَ بها من وفقه الله تعالى للاستبصار بها{وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} أي: يخلق فيه الضلالَ لصرف اختيارِه إليه فَلَن تَجِدَ لَهُ أبداً وإن بالغتَ في التتبع والاستقصاء ناصراً يهديه إلى ما ذكر من الفلاح لاستحالة وجودِه في نفسه، لا لأنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه.
    {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً} ومدارُ الحسبانِ انفتاحُ عيونِهم على هيئة الناظرِ، { وَهُمْ رُقُودٌ} أي: نيام، {وَنُقَلِّبُهُمْ} في رقدتهم {ذَاتَ الْيَمِينِ} نصبٌ على الظرفية أي: جهةً تلي أَيمانهم
    {وَذَاتَ الشِّمَالِ} ي: جهةً تلي شمالَهم كيلا تأكلَ الأرضُ ما يليها من أبدانهم. {وَكَلْبُهُم} قال خالدُ بنُ مَعْدان: ليس في الجنة من الدواب إلا ***ُ أصحابِ الكهف و****ُ بلعم، وقيل: لم يكن ذلك من جنس الكلاب بل كان { ِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} حكايةُ حالٍ ماضية ولذلك أُعمل اسمُ الفاعل وعند الكسائي، وهشام، وأبي جعفر، من البصريين يجوز إعمالُه مطلقاً ( يعمل اسم الفاعل مطلقا عند الكوفيين، ويعمل بالشرط عند البصريين) والذراعُ من المرفق إلى رأس الأُصبَعِ الوسطى{ بِالْوَصِيدِ} أي: بموضع الباب من الكهف {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} أي: لو عاينتَهم وشاهدتَهم، وأصلُ الاطّلاع الإشرافُ .
    على الشيء بالمعاينة والمشاهدة، {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} هرباً مما شاهدتَ منهم، وهو إما نصبٌ على المصدرية (مفعول مطلق) من معنى ما قبله إذ التوليةُ والفِرارُ من واد واحدٍ،
    وإما على الحالية بجعل المصدرِ بمعنى الفاعل أي: فارًّا، أو بجعل الفاعلِ مصدراً مبالغة. وإما على أنه مفعولٌ له (مفعول لأجله) {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}أي: خوفاً يملأ الصدرَ ويُرعِبه، وهو إما مفعولٌ ثانٍ، أو تمييز، ذلك لما ألبسهم الله عز وجل من الهيبة والهيئةِ كانت أعينُهم مفتّحةً كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم.
    {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} كما أنمناهم وحفِظنا أجسادَهم من البِلى والتحلّل آيةً دالةً على كمال قدرتِنا بعثناهم من النوم {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ} أي: ليسأل بعضُهم بعضاً فيترتب عليه ما فُصّل من الحِكَم البالغةِ، وجعلُه غايةً للبعث المعلّل فيما سبق بالاختبار من حيث إنه من أحكامه المترتبةِ عليه والاقتصارُ على ذكره لاستتباعه لسائر آثارِه
    {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ}ﯘ استئنافٌ لبيان تساؤلِهم، {كَمْ لَبِثْتُمْ} في منامكم، لعله قاله لِما رأى من مخالفة حالِهم لما هو المعتادُ في الجملة { قَالُوا} أي: بعضُهم { لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}
    قيل: إنما قالوه لأنهم دخلوا الكهفَ غُدوةً وكان انتباهُهم آخرَ النهار، فقالوا: لبثنا يوماً، فلما رأَوا أن الشمسَ لم تغرُبْ بعْدُ، قالوا: أو بعضَ يوم، وكان ذلك بناءً على الظن الغالب فلم يُعْزوا إلى الكذب قَالُوا} أي: بعضٌ آخرُ منهم بما سنح لهم من الأدلة أو بإلهام من الله سبحانه {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي: أنتم لا تعلمون مدة لبثِكم وإنما يعلمها الله
    سبحانه، وهذا ردٌّ منهم على الأولين بأجملِ ما يكون من مراعاة حسنِ الأدب وبه يتحقق التحزبُ إلى الحزبين المعهودين فيما سبق، وقد قيل: القائلون جميعُهم ولكن في حالتين، ولا يساعده النظمُ الكريم فإن الاستئنافَ في الحكاية والخطابَ في المحكيّ يقضي بأن الكلامَ جارٍ على منهاج المحاورةِ والمجاوبةِ، وإلا لقيل: ثم قالوا: ربنا أعلمُ بما لبثنا.
    { فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}قالوه إعراضاً عن التعمق في البحث وإقبالاً على ما يُهمّهم بحسب الحالِ كما ينبىء عنه الفاءُ والورِقُ الفضةُ مضروبةً أو غيرَ مضروبة،
    ووصفُها باسم الإشارةِ يُشعر بأن القائلَ ناولها بعضَ أصحابه ليشتريَ بها قوتَ يومِهم ذلك، وحملُهم لها دليلٌ على أن التزودَ لا ينافي التوكلَ على الله {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً}
    أي: أحلُّ وأطيبُ أو أكثرُ وأرخصُ {فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ} أي: من ذلك الأزكى طعاماً{وَلْيَتَلَطَّفْ} وليتكلّف اللُّطفَ في المعاملة كيلا يُغبَنَ أو في الاستخفاء لئلا يُعرَف {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} من أهل المدينةِ فإنه يستدعي شيوعَ أخبارِكم أي: لا يفعلنّ ما يؤدّي إلى ذلك، فالنهيُ على الأول تأسيسٌ وعلى الثاني تأكيدٌ للأمر بالتلطف، {إِنَّهُمْ} تعليلٌ لما
    سبق من الأمر والنهي أي: لِيبالِغْ في التلطف وعدمِ الإشعار لأنهم { إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ}أي: يطّلعوا عليكم أو يظفَروا بكم، والضميرُ للأهل المقدّر في أيُّها {يَرْجُمُوكُمْ} إن ثبتُّم على ما أنتم عليه. { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} أي: يصيِّروكم إليها ويُدخلوكم فيها كُرهاً، من العَوْد بمعنى الصيْرورة، وإيثارُ كلمةِ في بدل إلى للدِلالة على الاستقرار الذي هو أشدُّ شيءٍ عندهم كراهةً، وتقديمُ احتمال الإعادةِ لأن الظاهرَ من حالهم هو الثباتُ على
    الدين المؤدي إليه، وضميرُ الخطاب في المواضع الأربعةِ للمبالغة في حمل المبعوثِ على الاستخفاء وحثِّ الباقين على الاهتمام بالتوصية، فإن إمحاضَ النُّصحِ أدخلُ في القَبول واهتمامُ الإنسان بشأن نفسِه أكثرُ وأوفر {وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً}أي: إن دخلتم فيها ولو بالكرُه والإلجاء لن تفوزوا بخير {أَبَداً}لا في الدنيا ولا الآخرة، وفيه من التشديد في التحذير ما لا يخفى.

  11. #20
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    109

    افتراضي

    المحاضرة الخامسة: (المقطع الرابع):
    المشهد الثالث من قصة أصحاب الكهف

    :
    قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً{21} سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً{22} وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً{23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ

    عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً{24} وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً{25} قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً{26} وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً{27}}.
    {وَكَذَلِكَ} أي: وكما أَنَمناهم وبعثناهم لما مرّ من ازديادهم في مراتب اليقينِ { أَعْثَرْنَا} أي: أطلعْنا الناسَ { َعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ}أي: الذين أعثرناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم
    العجيبة { أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ} أي: أن كلَّ وعدِه أوكُلَّ موعودِه فيدخُل فيه وعدُه بالبعث أو مبعثُ الموعودِ دخولاً أولياً {حَقٌّ}صادقٌ لا خُلْف فيه أو ثابتٌ لا مردَّ له لأن نومَهم وانتباهَهم كحال من يموت ثم يُبعث {وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا}أي: القيامةَ التي هي عبارةٌ عن وقت بعثِ الخلائقِ جميعاً للحساب والجزاء، لا شك في قيامها فإن من شاهد أنه جل وعلا توفى نفوسَهم وأمسكها ثلاثُمائة سنة وأكثرَ حافظاً أبدانَها من التحلل والتفتّت ثم أرسلها إليها لا يبقى له شائبةُ شك في أن وعدَه تعالى حقٌّ وأنه يبعث مَنْ في القبور فيرد
    إليهم أرواحَهم فيحاسبهم ويجزيهم بحسب أعمالِهم {إِذْ يَتَنَازَعُونَ}ظرف لقوله: أعثرنا قُدّم عليه الغايةُ إظهاراً لكمال العنايةِ بذكرها، {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ}ليرتفع الخلافُ ويتبينَ الحقُّ، قيل: المتنازعُ فيه أمرُ دينهم حيث كانوا مختلفين في البعث فمِن مُقِرّ له وجاحدٍ به وقائلٍ يقول ببعث الأرواحِ دون الأجساد وآخرَ يقول ببعثهما معاً، فالفاء في قوله عز وجل: {فَقَالُوا} فصيحةٌ أي: أعثرناهم عليهم فرَأَوا فماتوا فقالوا أي: قال بعضهم: {ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً} أي: على باب كهفِهم بنيانا لئلا يتطرقَ إليهم الناسُ ضنًّا بتربتهم ومحافظةً عليها
    وقوله تعالى: { رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ}من كلام المتنازِعين كأنهم لما رأَوا عدم اهتدائِهم إلى حقيقة حالِهم من حيث النسبُ ومن حيث اللُّبثُ في الكهف قالوا ذلك تفويضاً للأمر إلى علاّم الغيوب، أو من كلام الله تعالى ردًّا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازِعين
    {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وهم الملِكُ والمسلمون {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً}وقوله تعالى: {فَقَالُوا}معطوفٌ على { يَتَنَازَعُونَ}، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على أن هذا القولَ ليس مما يستمر ويتجدد كالتنازُع، {سَيَقُولُونَ}الضميرُ في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد النبيِّ عليه الصلاة والسلام من أهل الكتابِ والمسلمين لكن لا على وجه إسنادِ كلَ منها إلى كلهم بل إلى بعضهم {ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ}أي: هم ثلاثةُ أشخاص رابعُهم أي: جاعلُهم أربعةً بانضمامه إليهم ***ُهم{وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ} رمياً بالخبر الخفيِّ الذي لا مُطَّلَعَ عليه أو ظنًّا بالغيب من قولهم: رجَمَ بالظن إذا ظن، وانتصابُه على الحالية من الضمير في الفعلين جميعاً أي: راجمين أو على المصدرية منهما
    فإن الرجْمَ والقولَ واحد. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} هو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي وما فيه مما يرشدهم إلى ذلك من عدم نظمِه في سلك الرجْمِ بالغيب، وتغييرُ سبكه بزيادة الواو المفيدةِ لزيادة وكادةِ النسبة فيما بين طرفيها لا بوحي آخرَ كما قيل {قُل} تحقيقاً للحق وردًّا على الأولين { رَّبِّي أَعْلَمُ} أي: أقوى علماً {بِعِدَّتِهِم} بعددهم {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} أي: ما يعلم عِدّتهم إِلاَّ قَلِيلٌ من الناس قد وفقهم الله تعالى للاستشهاد بتلك الشواهد. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حين وقعت الواوُ انقطعت العِدّةُ وعليه مدارُ قوله رضي الله عنه: أنا من ذلك القليل ولو كان في ذلك وحيٌ آخرُ لما خفيَ عليه ولما احتاج إلى الاستشهاد بالواو ولكان المسلمون أسوةً له في العلم بذلك.
    {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ} الفاءُ لتفريع النهي على ما قبله أي: إذ قد عرفتَ جهلَ أصحابِ القولين فلا تجادلهم في شأن الفتية {إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً} قدرَ ما تعرّض له الوحيُ من وصفهم بالرجم بالغيب وعدمِ العلم على الوجه الإجمالي وتفويضِ العلم إلى الله سبحانه من غير تصريحٍ بجهلهم وتفضيحٍ لهم فإنه يُخِلُّ بمكارم الأخلاق.
    {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً} في شأنهم من الخائضين أَحَدًا فإن فيما قُص عليك لمندوحةً عن ذلك مع أنه لا علمَ لهم بذلك. {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ}أي: لأجل شيءٍ تعزم عليه {إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ} الشيءَ{غَداً} أي: فيما يُستقبل من الزمان مطلقاً فيدخُل فيه الغدُ دخولاً
    أولياً ( فإنه نزل حين قالت اليهودُ لقريش: سلُوه عن الروح وعن أصحاب الكهفِ وذي القرنين، فسألوه عليه الصلاة والسلام فقال: (ائتوني غداً أُخبرْكم » ولم يستثنِ فأبطأ عليه الوحيُ حتى شق عليه وكذّبته قريشٌ). {إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه} استثناءٌ مفرَّغ من النهي أي: لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حالَ ملابستِه بمشيئته تعالى على الوجه المعتادِ وهو أن يقال: إن شاء الله أو في وقت من الأوقات إلا وقتَ أن يشاء الله أن تقوله لا مطلقاً بل مشيئةً إذن، {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} بقولك: إن شاء الله متدارِكاً له إذا فرَطَ منكنسيانٌ ثم ذكرتَه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ولو بعد سنةٍ ما لم يحنَثْ، ولذلك جوّز تأخيرُ الاستثناءِ، وعامةُ الفقهاء على خلافه إذ لو صح ذلك لما تقرر إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا
    عَتاقٌ ولم يُعلم صِدقٌ ولا كذِبٌ. {وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي} أي: يوفقني {لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا} أي: لشيء أقربَ وأظهرَ من نبأ أصحابِ الكهفِ من الآيات والدلائل الدالةِ على نبوتي {رَشَداً}أي: إرشاداً للناس ودلالةً على ذلك، وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظمُ من ذلك وأبينُ كقصص الأنبياءِ المتباعدِ أيامُهم والحوادثِ النازلة في الأعصار المستقبلةِ إلى قيام الساعةِ أو لأقربَ رشداً وأدنى خبراً من المنسيّ. {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} أحياءً مضروباً على آذانهم { ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} وهي جملةٌ مستأنَفةٌ
    مبيّنةٌ لما أُجمل فيما سلف وأُشير إلى عزة منالِه، وقيل: إنه حكايةُ كلامِ أهلِ الكتابِ فإنهم اختلفوا في مدة لُبثِهم كما اختلفوا في عِدّتهم فقال بعضهم هكذا وبعضُهم ثلاثمائة، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: عند أهلِ الكتابِ أنهم لبِثوا ثلاثَمائةِ سنةٍ شمسيةٍ والله تعالى ذكر السنةَ القمريةَ والتفاوتَ بينهما في كل مائة سنةٍ ثلاث سنين فيكون ثلاثَمائةٍ وتسعَ سنين،{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} أي: بالزمان الذي لبثوا فيه. {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: ما غاب فيهما وخفيَ من أحوال أهلِهما، واللامُ للاختصاص العلميِّ دون التكوينيِّ
    فإنه غيرُ مختص بالغيب {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} دلّ بصيغة التعجبِ على أن شأنَ علمِه سبحانه بالمبصَرات والمسموعاتِ خارجٌ عما عليه إدراكُ المدرِكين لا يحجُبه شيءٌ ولا يحول دونه حائلٌ ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيفُ والكثيفُ والصغيرُ والكبيرُ والخفيُّ والجليُّ، والهاءُ ضميرُ الجلالة، ومحلُّه الرفعُ على الفاعلية والباء مَزيدةٌ عند سيبويهِ {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} لأهل السمواتِ والأرض مِن دُونِهِ تعالى مِن وَلِىّ يتولى أمورَهم وينصُرهم استقلالاً {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}في قضائه أو في علم الغيب أَحَدًا منهم ولا يُجعل له فيه
    مدخلاً وهو كما ترى أبلغُ في نفي الشريكِ من أن يقال: من ولي ولا شريكٍ، ولما دل انتظامُ القرآنِ الكريم لقصة أصحابِ الكهف من حيث إنهم بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المغيبات على أنه وحيٌ معجزٌ أمره عليه الصلاة والسلام بالمداومة على دراسته فقال: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} ولا تسمَعْ لقولهم: ائتِ بقرآن غيرِ هذا أو بدِّلْه {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}لا قادرَ على تبديله وتغييره غيرُه {وَلَن تَجِدَ} أبدَ الدهر وإن بالغتَ في الطلب {مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً}ملجأً تعدل إليه عند إلمام مُلِمّة.

الصفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

تعليمات المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •