عرض النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: الشعر العباسي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    215

    افتراضي الشعر العباسي

    المحاضرة التمهيدية
    مقدمة: بدأ العصر العباسي بتولي بني العباس الخلافة سنة 132 إلى 656
    للهجرة ، وذلك بعد أن أقصوا الأمويين عنها.
    و قد قسم المؤرخون إجمالاً مدة الخلافة إلى ثلاثة عصور رئيسية هي:
    العصر العباسي الأول: يمتد في الفترة من 132 إلى 232 للهجرة
    العصر العباسي الثاني: يمتد في الفترة من 232 إلى 590 للهجرة
    العصر العباسي الثالث: يمتد في الفترة من 590 إلى 656 للهجرة
    وازدهرت الحركة الأدبية في بدايات هذا العصر، شعراً ونثراً .
    ويحاول هذا المقرر الوقوف على الشعر العربي في هذا العصر.
    • أهداف المقرر: هدف معرفي:تعريف الطلاب بالقضايا الأدبية في هذا العصر ،وخصائص شعره ،واتجاهاته.
    • هدف ثقافي: اطلاع الطلاب على العوامل المؤثرة في الأدب في هذا العصر، وكذلك تعرفهم على أبرز أدباء هذا العصر وبيئاتهم
    • هدف تذكري: أن يحفظ الطلاب نصوصاً لأدب هذا العصر؛ليستقيم لسانهم.
    • هدف مهاري: أن يتمكن الطلاب من تحليل النصوص وتذوقها والكشف عن مواطن جمالها.
    محتوي المقرر: أولاً- الحياة السياسية:
    ثانياً- الحياة الاجتماعية:
    ثالثاً- الحياة العقلية والثقافية:
    رابعاً- أغراض الشعر في العصر العباسي
    خامسا- من أعلام الشعراء العباسيين:
    سادساً- خصائص الشعر العباسي :
    سابعاً- قضايا الشعر العباسي:
    - المراجع: العصر العباسي الأول د. شوقي ضيف.
    - العصر العباسي الثاني د.شوقي ضيف.
    - الفن ومذاهبه في الشعر العربي د.شوقي ضيف.
    - اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري د.محمد مصطفى هدارة
    - تاريخ الأدب في العصر العباسي الأول د.إبراهيم أبو الخشب.
    - الأدب العباسي الرؤية والفن د. عز الدين إسماعيل.
    .................................................. .................................................. ..............................................

    المحاضرة الأولى الحياة السياسية
    مقدمة:حقق الشعر العباسي في هذا العصر تطورًا كبيرًا في أغراضه وأفكاره وفي شكله الفني ، وزنًا وقافية ولغة. وهذه نتيجة طبيعية لاتساع جوانب التجربة العقلية عن طريق الترجمة والاختلاط بأجناسٍ بشرية مختلفة، وتطور المعارف الدينية واللغوية والأدبية ، واتساع حركة التأليف، وظهور المعارف الفلسفية.
    وفي هذا العصر ظهر من يطلق عليهم الباحثون: الشعراء المحدثون،مثل بشار وأبي نواس ومطيع بن إياس.
    الثورة العباسية: وهي الثورة التي نشبت ضد الأمويين، وهي ثورات أراد بها أصحابها في البداية إلى الإصلاح الاجتماعي .
    وبدأت الدعوة العباسية سراً فهم لا يذكرون للناس أنهم طلاب خلافة ، إنما يذكرون لهم أنهم يطلبون إسقاط الدولة الأموية الجائرة ، إلى أن اتجه أبو العباس إلى المسجد الجامع في الكوفة ، فبايعه الناس ، وارتقى المنبر، فاشرأبَّت إليه الأعناق وأصغت إليه الآذان، ، فإذا هو يحتج بآي القرآن الكريم على أن بيته العباسي أحق بالخلافة.
    ورأى العباسيون أن يتخذوا من العراق موئلاً لخلافتهم،ولم يلبث أبو جعفر المنصور أن اختار بغداد لتكون حاضرة الخلافة .
    وقد اصطلح المؤرخون على تقسيم هذا العصر إلى ثلاثة عصور هي : العصر العباسي الأول ، من قيام الخلافة العباسية إلى أول خلافة المتوكل (132 - 232هـ ، 749 - 846م) ، والعصر العباسي الثاني (232 - 334هـ ، 846 - 945م) من خلافة المتوكل إلى استقرار الدولة البويهية ، والعصر العباسي الثالث (334 - 656هـ ، 945 - 1258م) من استقرار الدولة البويهية إلى سقوط بغداد على أيدي التتار.
    بناء بغداد ثم سامرَّاء
    رأى أبو جعفر المنصور أن يبتعد بحاضرة دولته عن الكوفة مركز العلويين من قديم حتى يأمن على نفسه مما قد ينشب فيها من
    ثورات، وحتى يعزل جنده عن أهلها فلا يفسدوهم؛ فاختار بغداد عاصمة الدولة.
    وعني المنصور بها عناية بالغة ، وما لبثت بغداد أن أصبحت أهم مدينة في العالم العربي، إذ بنيت بها مئات المساجد وعشرات القصور الفخمة ، ونزلها الأدباء والعلماء من كل صنف وعلى كل لون.
    ولم تزل بغداد حاضرة للخلفاء العباسيين حتى استكثر المعتصم في عسكره من الترك وآذوا العامة بما كانوا يجرون من خيلهم في الأسواق والشوارع، فكانوا يرصدونهم ويقتلونهم .
    حينئذ رأى المعتصم أن يعتزل بجنده في موضعٍ ناءٍ عن بغداد ، ولم يزل يتخير لهم موضعاً حتى انتهى إلى سامرَّا شرقي دجلة، واهتم بها اهتماماً كبيراً.
    وظل الخلفاء بعد المعتصم يقيمون بها حتى سنة276هـ إذ تحولوا منها إلى بغداد.
    النظم السياسية والإدارية:
    كان تحول الخلافة من دمشق إلى بغداد على سواعد الجيوش الخراسانية إذاناً بغلبة الطوابع الفارسية على نظم الحكم السياسية والإدارية للدولة العباسية.
    وانتقلت إلى العصر العباسي النظم الساسانية بحذافيرها في كل شؤون الحكم.
    واتسع الخلفاء في محاكاة الدواوين الساسانية، وأخذوا عنهم نظام الإدارة ، ونظام الوزارة.
    وقلما نجد للعباسيين وزيراً غير فارسي، إذ كانوا هم الذين يستأثرون بشؤون الخلافة ويرقون إلى أعلى المناصب.
    فتقاليد الساسانيين قد حوكيت حتى في أزياء رجال الحاشية والموظفين وطبقاتهم.
    ولعلنا لا نغلو بعد ذلك كله إذا قلنا إن النظم السياسية والإدارية في الدولة العباسية طبعت بطوابع فارسية قوية ، تحولت في أثنائها الخلافة ملكاً كسراوياً يقوم على الاستبداد والقهر.
    نفوذ الأتراك ومقاليد الحكم:
    بتولي الفرس أعلى المناصب وأرفعها ، ظهر العداء واضحاً بين العرب والفرس، وتوالت بينهما الثورات، فكان التفكير في عنصر آخر جديد يقوي نفوذ العرب من ناحية ، ويقف في مواجهة الفرس من ناحية ثانية، واتجه التفكير إلى العنصر التركي.
    ولما تولى المعتصم الخلافة أكثر من توافد الأتراك في بغداد ، وازداد عددهم حتى ضاقت بهم الشوارع .
    وشكَّل هذا تحولاً حضارياً ؛ فبعد اعتمادهم على الفرس أصحاب الحضارات التي أفادت البيئة العربية ، وأصبح الاعتماد على
    الأتراك الذين عرفوا بالبداوة والجفوة وليس لهم حضارة.
    وهؤلاء الأتراك سرعان ما قبضوا على زمام الحكم في عهد المعتصم ، وتقلدوا زمام الشؤون الإدارية بجانب تقلدهم زمام الشؤون العسكرية.
    وخفت صوتهم في خلافة المتوكل إلا أنهم استطاعوا التخلص منهم فارتفع صوتهم مرة ثانية في عهد المقتدر.
    ثورة الزنج:
    هي ثورة أشعلها رجل فارسي ضد الدولة العباسية ،وكان يدعي أن العناية الإلهية بعثته لإنقاذ الزنج من الاستبداد والظلم حيث كانوا يعملون في الزراعة نظير أجر زهيد لا يسد حاجتهم فالتفوا حوله وأنضم إليهم عدد من عبيد الفرات واستمرت أربع عشرة سنة ونحو أربعة أشهر لم تضع الحرب أوزارها.
    وانتهت ثورة الزنج بالهزيمة وبقتل صاحب الثورة .
    تدهور الخلافة العباسية:
    ساءت الخلافة العباسية وسيطر الأتراك على مقاليد الحكم ، وكانوا هم الحكام الحقيقيين للبلاد ويمكن القول إن الخلافة العباسية تدهورت لعدة أسباب منها:
    أولاً- تدخل الأتراك في شؤون الحكم وهم ليس لديهم دراية بالسياسة.
    وصور ذلك أحد الشعراء بقوله:
    خليفة في قفص بين وصيف وبُغاء
    يقول ما قالا له كما يقول الببَّــغاء
    ثانياً- انغماس كثير من الخلفاء العباسيين في اللهو والترف والإقبال على كل متاع مادي من بناء القصور الباذخة ، ومعيشة كفُلت لها كل وسائل النعيم والترف،ووصل الأمر من كثرة الإنفاق أن عجزت الدولة عن دفع رواتب الجيش ، مما أضعف هيبة الدولة أمام الأتراك.
    ثالثاً- مصادرة أموال الناس وابتزازهم بالضرائب ، وخاصة أموال الكتاب والقضاة.
    رابعاً- كثرة الاختلاسات و الرشاوي حتى وصل الأمر أن الولاة كانوا يرشون الوزراء ليظلوا في ولايتهم.
    خامساً- تدخل النساء في شؤون الحكم ؛ فكن يصرفنه حسب أهوائهن ، وكن يكتنزن الجواهر ويمتلكن الأضياع والأموال
    الباهظة، حتى أصبحت الدولة تدار بيد الأتراك والنساء.
    سادساً- يضاف إلى ما سبق ما حاق بالدولة العباسية من ثورات كثيرة استنزفت موارد الدولة وبخاصة ثورتي الزنج والقرامطة.
    .................................................. .................................................. .................................................. ................
    المحاضرة الثانية الحياة الاجتماعية
    مقدمة:
    المقصود بالحياة الاجتماعية هو كل ما يتعلق بالحياة العباسية من: طبقات المجتمع المختلفة، وما في هذا المجتمع من حضارة وترف ولهو ، وما شاع فيه من رقيق وجواري وغناء ، ومجون وشعوبية وزندقة ، وما انتشر فيه من نزعات الزهد والتصوف.
    • طبقات المجتمع:
    انقسم المجتمع العباسي إلى ثلاث طبقات:
    الطبقة الأولى: الطبقة العليا:وهي طبقة الخلفاء والوزراء والقادة والولاة ومن تبعهم من الأمراء والأعيان وكبار رجال الدولة .وهذه هي الطبقة التي غرقت في النعيم والترف والرفاهية واللهو والمجون .وهي نفس الطبقة التي اهتمت ببناء القصور وزخرفتها والاهتمام المبالغ فيه بها .
    الطبقة الثانية:وهي الطبقة الوسطى : وهي طبقة التجار والصناع والموظفين ورجال الجيش والمغنيين . وهي طبقة تعيش في ستر ومعيشة متوسطة.
    الطبقة الثالثة: وهي طبقة العامة:وهي الأكثرية ، وتشمل طبقة الزراع والحرفيين والخدم والرقيق وأهل الذمة. وهذه الطبقة التي يقع عليها عبء الطبقتين السابقتين ؛ حيث كانت تعاني كثيراً من البؤس والشقاء.
    الحضارة والترف واللهو.
    تفننت الطبقة الأولى (الطبقة العليا)، طبقة الخلفاء والوزراء والقادة والولاة ومن تبعهم من الأمراء والأعيان وكبار رجال الدولة – في الحصول على كل أنواع الحضارة والترف واللهو؛ حيث تفنن الخلفاء والوزراء في بناء القصور والاهتمام بها اهتماماً عظيماً على حساب الطبقات الأخرى ، فأنفقوا الدنانير والدراهم بدون حساب وبدون رقابة وبالغوا في اللهو والترف إلى حد السفه وساعد في ذلك الفراغ والمال والانصراف عن شؤون الحكم ، وترك شؤونه للأتراك ليقرروا ما يشاءون .
    وطبيعي أن تدفع الأموال الكثيرة لا إلى النعيم فحسب ، بل أيضاً إلى الترف في الحياة وكل أسبابها المادية من دور مزخرفة وفرش وثيرة وثياب أنيقة معطرة ومطاعم ومشارب من كل لون والتماس لكل أدوات الزينة والتفنن فيها تفنناً يتيح كل ما يمكن من استمتاع بالحياة.
    وطبيعي أن يُشيع في هذا الجو الزاخر بالترف، التأنق في الملبس والثياب ، وقد عمَّ حينئذ ببغداد لبس الأزياء الفارسية ، فكانت كل طائفة من طوائف الموظفين ورجال الدولة تلبس زياً خاصاً بها يميزها عن الطوائف الأخرى .
    واستكثروا حينئذ من العطور وأنواع الطيب الغالية كالمسك والكافور والعنبر ....
    ولا ريب في أن هذا كله كان على حساب العامة المحرومة التي كانت تحيا حياة بؤس وشقاء.
    الرقيق والجواري والغناء:
    انتشر الرقيق والجواري، وشاع الغناء في العصر العباسي بطريقة مفرطة؛ حيث ملئت القصور بالرقيق والجواري،وصاحب الجو المشبع بالموسيقى والغناء .
    وارتفع سعر الجواري بقدر إتقانهن للغناء وما يتمتعن به من جمال.
    وعلى هذا النحو كانت الجواري والقيان في هذا العصر من العوامل الفعالة في انتشار الظرف والرقة في المجتمع العباسي حتى أصبحا سمتين بارزتين فيه، وبذلك رقَّت المشاعر والأحاسيس، ورقت الأذواق وأرهفت إرهافاً شديداً.
    وقد دفع هذا الفساد الخلقي الذي كان يشيعه القيان والجواري في هذا العصر إلى انتشار الغزل المكشوف الذي لا تصان فيه كرامة المرأة والرجل جميعاً.
    المجون والشعوبية والزندقة:
    انتشرت موجة المجون والشعوبية والزندقة في هذا العصر انتشاراً واسعاً؛ حيث ظل الناس يتمادون في شرب الخمر وأصبحت قصور الخلافة مقاصف للشراب والسماع والغناء وكذلك قصور الوزراء والأمراء وكبار رجال الدولة حتى تورط فيها القضاة.
    كما استعرت نار الشعوبية أكثر مما كانت عليه في العصور السابقة.
    وقد أخذ الشعوبيون وبالأخص الفرس منهم يشيدون بحضارتهم ومجدهم ، ونقمتهم على الواقع العربي.
    وأهم شاعر في العصر العباسي أوقد نيران هذه الخصومة وظل يمدها بحطب جزل من أشعاره هو: بشار بن برد.
    وأدت الشعوبية إلى وجود خطر جسيم آلا وهو الزنادقة الذين أبغضوا العرب ، وكل ما يتصل بهم فأبغضوا الإسلام وشككوا في النبوات عامة.
    وقد قُتل كثيرون من رءوس الزنادقة في هذا العصر.
    الزهد والتصوف:
    ليس معنى حديثنا عن كثرة المجون والفسق واللهو في العصر العباسي أن هذا العصر كان عصر فسق ومجون ولهو وزندقة .
    فقد كثر فيه الزهاد والنساك فالمساجد عامرة بذكر الله تعالى خاصة من طبقة العامة ، ويشهد لذلك المحدِّث إبراهيم بن إسحاق الزاهد الناسك الذي رفض أن يتقاضى أجراً على علمه.كما انتشرت موجة التصوف وإن كان لها جذورها في القرن الثاني الهجري، لكنها ازدهرت وتطورت في هذا العصر حتى اهتم المستشرقون بدراستها وبيان أثرها . ومن هؤلاء المتصوفة ( ذو النون المصري ، والحارث بن أسد ، والترمذي ، وغيرهم ).
    على أن هذا الزهد الإسلامي وما ارتبط به من مقدمات التصوف كانت تجري بجانبه أسراب من زهد فاسد هو زهد الزنادقة الذين اعتنقوا تعاليم المانوية على نحو ما يلقانا في أشعار صالح بن عبد القدوس المقتول لمانويته.
    ومعنى ذلك أن العصر العباسي شهد لونين من الزهد: زهداً إسلامياً خالصاً أعدَّ للنسك والتصوف، وزهداَ مانوياَ مارقاً ،وقد مضت الدولة تقاومه وتقاوم أصحابه مقاومة عنيفة.
    .................................................. .................................................. .................................................. ..........
    المحاضرة الثالثة الحياة العقلية والثقافية
    مقدمة: المقصود بالحياة العقلية والثقافية كل ما كان يدور في العصر العباسي من تجانس ثقافي ولغوي بين الشعوب التي دخلت البيئة العربية، وكذلك الحركات العلمية والترجمة، وأيضاً الاهتمام بالعلوم العربية والدينية ، والمذاهب الكلامية. وسوف نقف بشيء من التفصيل عند كل واحدة منها.
    • الامتزاج الجنسي واللغوي والثقافي.
    كانت الدولة العباسية تضم بين جناحيها بلاد السند وخراسان وما وراء النهر وإيران والعراق والجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب . وهي أوطان كثيرة وكان يعيش فيها منذ القدم شعوب متباينة في الجنس واللغة والثقافة ، غير أنها لم تكد تدخل في نطاق العروبة حتى أخذت عناصرها المختلفة تمتزج بالعنصر العربي امتزاجاً قوياً ، فإذا بناء إزاء أمة عربية تتألف من أجناس مختلفة، وقد مضت هذه الأجناس تنصهر في الوعاء العربي حتى غدت كأنها جنس واحد.
    كما كان هناك بين هذه الأجناس المزج الروحي الذي صنعه الإسلام. وقد أسرع من أسلموا من الشعوب المفتوحة جميعاً إلى تعلم لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فلم يمض نحو قرن حتى أخذت العربية تسود في كل أنحاء العالم الإسلامي لا بين المسلمين وحدهم ، بل أيضاً بين غيرهم ممن بقي على دينه القديم. وليس معنى ذلك أن جميع أصحاب اللغات القديمة هجروا لغاتهم تماماً ، فقد ظلت من ذلك بقايا حتى في أكثر البيئات تعرباً.
    ولم تفسد هذه الكلمات الدخيلة العربية فقد كانت تأتي على هامشها ، وكثيراً ما كانت تعرَّب بحيث تتفق واللسان العربي.
    ولا نبالغ إذا قلنا إن كل ألوان الثقافات العامة التي كانت مبثوثة في البلدان المفتوحة تحولت إلى العربية دون حاجة إلى ترجمة منظمة لسبب طبيعي وهو أن شعوب هذه الثقافات تحولوا عرباً ، فكان طبيعياً أن تتحول معهم ثقافاتهم وأن لا تنتظر حتى ينظم لها النقل والترجمة.
    الحركة العلمية:
    نتيجة لدعوة الإسلام للعلم والتعلم ، فقد نشطت الحركة العلمية في العصر العباسي نشاطاً واسعاً، وبدأت بالكتاتيب؛ حيث كان النشء يتردد على الكتاتيب؛ ليتعلم الخط والكتابة والقراءة وحفظ القرآن الكريم ومبادئ الحساب وهكذا. وكانت المساجد مكملة للكتاتيب ، فمن يريد أن يكمل دراسته عليه أن يلتحق بحلقة من حلقات المسجد فهي أشبه بالمعاهد العليا ، وكان لكل فرع من العلوم حلقة خاصة به.
    وكان مما ساعد على النهضة العلمية في ذاك العصر ما كان يقام في المساجد وقصور الخلفاء والوزراء من مناظرات بين العلماء.
    وكان الوراقون ودكاكينهم أشبه بدور النشر في عصرنا، يتردد عليهم من يريد الاطلاع. كما اهتم الفرس بالمكتبات.
    ودفع الشغف العلمي بين الطبقات في ذاك العصر إلى الرحلة من بلد إلى بلد طلباً للعلم؛ فرحل اللغويون إلى البوادي رغم صعوبة الحياة فيها.
    وامتازت في هذا العصر البصرة بسوق باديتها المعروف بسوق المربد، وكان منهلاً لشباب البصرة يغدون عليه ويروحون للقاء الفصحاء من الأعراب والتحدث إليهم تمريناً لألسنتهم وتربية لأذواقهم ومحاولة لاكتساب السليقة العربية المصفَّاة من شوائب العجم.كما ظهرت بجانب حلقات العلم التي كانت تقام في المساجد، ظهور طائفة من العلماء والأدباء نوعوا معارفهم تنويعاً واسعاً، حيث مضوا يختلفون إلى جميع الحلقات.إضافة إلى المجالس الأدبية، واستخدام الورق.وهذا كله عمل على ازدهار الحركة العلمية في العصر العباسي.
    ترجمة العلوم:
    ازدهرت الترجمة في العصر العباسي وتحولت من الترجمة الحرفية إلى ترجمة الفقرة والعبارة ، وأعيدت ترجمة العديد من الكتب ، وزاد التوسع في ترجمة شتى العلوم والمعارف المختلفة ، فترجمت علوم الطبيعة وعلوم الطب والهندسة والرياضيات والفلك ،...وأصبح للترجمة مدارس كبيرة.
    وتنشط الترجمة في عصر الرشيد ووزرائه البرامكة نشاطاً واسعاً، وكان مما أذكى جذوتها حينئذ إنشاء دار الحكمة وتوظيف طائفة كبيرة من المترجمين للعمل بها ، وجلب الكتب إليها من بلاد الروم. وتبلغ هذه الموجة الحادة للترجمة أبعد غايتها في عهد المأمون، إذ تحول بخزانة الحكمة إلى ما يشبه معهداً علمياً كبيراً وقد ألحق بها مرصده المشهور في الترجمة.
    الاهتمام بالعلوم اللغوية والنحوية والبلاغية والنقد والتاريخ:
    زاد الاهتمام بالعلوم العربية في العصر العباسي ؛ ففي مجال اللغة أُلفت العديد من المؤلفات اللغوية ، من ذلك: مؤلفات الجاحظ ، وابن قتيبة. وفي مجال النحو زاد نشاط النحاة في ذلك العصر واتسعت المدارس النحوية وازدهرت ولم يقتصر الأمر على المدرسة البصرية والكوفية؛ بل ظهرت المصرية والأندلسية ،.
    كما نشطت الكتابات التاريخية ، فنجد كتابة السيرة النبوية ، وكتابة الأحداث الإسلامية والأمم والدول والطبقات.
    واتسعت كتابة التاريخ لتشمل تاريخ العرب في الجاهلية وفتوحاتهم ودولتهم في الإسلام وتاريخ الرسل والأنبياء ، وهبطت إليهم روافد من تاريخ الأمم القديمة وخاصة الفرس، إذ عُني ابن المقفع وغيره بترجمة الكتب المؤلفة في سير ملوك العجم.
    الاهتمام بعلوم القراءات والتفسير والحديث والفقه:
    نما التفسير في العصر العباسي نمواً واسعاً وظهرت اتجاهاته وتأويلاته ، وتطور منهج التأليف في الحديث الشريف ، فظهر مسند أحمد وصحيح البخاري ومسلم.
    وكان هذا العصر مهتماً بنشاط الدراسات الفقهية والتشريعية؛ فظهر الاجتهاد الفقهي بصورة واضحة.
    وأخذ الفقهاء يصوغون الفقه صياغة علمية دقيقة على نحو ما صاغ اللغويون النحو وغيره من العلوم اللغوية.
    الاعتزال:
    انتشر الاعتزال في العصر العباسي وكثر أتباعه ، وإن قل نشاطه في عهد المتوكل ؛ لتحرش الفقهاء بهم.
    على أن الاعتزال استمر في نشاطه وظهر منهم أعلام في مجالات مختلفة ، منهم: الجاحظ ، والخياط ، وغيرهم، ...
    .................................................. .................................................. .................................................. .......

    المحاضرة الرابعة أغراض الشعر العباسي: ( المدح)
    مقدمة: سيطرت الموضوعات القديمة من مدح ورثاء وهجاء وفخر وغزل على أغراض الشعر العربي في العصر العباسي ،غير أنه توجد إضافات في مضامين كل غرض من الأغراض القديمة بسبب الحضارة وظروف كل عصر ، كما استجدت أغراض جديدة ظهرت في العصر العباسي الأول ، ونمت في العصر العباسي الثاني، كالشعر التعليمي .
    أولاً- المدح: ترديد المثاليات القديمة في قصيدة المدح العباسية
    كان الشاعر الجاهلي والإسلامي يرسم في ممدوحه المثالية الخلقية الرفيعة التي تقدرها الجماعة،من سماحة وكرم وشجاعة وعفة وشرف ومروءة، إلى غير ذلك من هذه المعاني .وجاء العصر العباسي، وأخذ الشعراء العباسيون يعيدون هذه المثل والمعاني ويجسمونها في ممدوحيهم تجسيماً قوياً، حتى لتصبح كأنها تماثيل قائمة نصب أعين الناس كي يحتذوها ويحوزوا لأنفسهم مجامع الحمد والثناء.
    مثاليات جديدة أضافتها قصيدة المدح العباسية:(المعاني الإسلامية)
    وقد مضى الشعراء العباسيون في مديح الخلفاء والولاة يضيفون إلى هذه المثالية مثالية الحُكم وما ينبغي أن يقوم عليه من الأخذ بدستور الشريعة وتقوى الله والعدالة التي لا تصلح حياة الأمة بدونها، كما في مدح مروان بن أبي حفصة للمهدي، قائلاً:
    أحْيَا أمِيرُ المُؤْمِنينَ مُحَمَّدٌ سُنَنَ النَّبِيِّ حَرَامَها وحَلالَها
    و يقول أبو العتاهية في هارون الرشيد: وراعٍ يُراعي اللّيلَ في حِفظِ أُمّةٍ، يُدافِعُ عَنها الشّرَّ، غَيرَ رَقُودِ
    وقد يكون الخليفة سيئ السلوك، ولكن الشعراء يمدحونه بنفس هذه المثالية الكريمة للخلفاء، لأنهم لا يمدحونه من حيث هو ، وإنما يمدحونه كخليفة للمسلمين وموضع آمالهم، وكأنما يريدون أن يرفعوا أمام عينه الشعارات التي تطلبها الأمة في خليفتها وراعيها، لعله يثوب إلى طريق الرشاد.
    من ذلك مدح على بن الجهم للمتوكل: لَهُ الْمِنَّةُ الْعُظْمى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وطاعَتُهُ فَرْضٌ مِنَ اللـهِ مُنْزَلُ
    • تابع:التجديد في مطلع قصيدة المدح العباسية
    كما جدد الشعراء العباسيون في مطلع قصيدة المديح ومقدماتها , بل لقد ترك بعضهم تلك المطالع .
    كما ظل الشعراء العباسيون في مداحهم يقلدون القدماء في الوقوف على الأطلال ، ووصف الصحراء ، ولكن مع إضافات كثيرة ، حتى يلائم بينه وبين عصره.وتتسع الإضافة أحياناً وتضيق أحياناً، ولكنها دائماً تعبر عن الذخائر العقلية والخيالية للشاعر العباسي، فقد جعلوا الأطلال رمزاً لحبهم الداثر،وأما رحلة الصحراء فرمز لرحلة الإنسان في الحياة.
    وحاول بعض الشعراء العباسيين أن يترك الحديث عن الأطلال المهجورة إلى الحديث عن القصور، من ذلك قول أشجع السلمي:
    قَصَرٌ عَلَيهِ تَحِيَّةٌ وَسَلامُ نَثَرَت عَلَيهِ جَمالَها الأَيّامُ
    وعلى نحو ما استبقوا الأطلال وما يتصل بها من حنين ، استبقوا رحلة الصحراء ، وتفننوا في وصف وعوثة طرقها ورياحها الحارة ، كما قال صريع الغواني:
    وَمَجهَلٍ كَاطِّرادِ السَيفِ مُحتَجِزٍ عَنِ الأَدِلاءِ مَسجورِ الصَياخيدِ
    تَمشي الرِياحُ بِهِ حَسرى مُوَلَّهَةً حَيرى تَلوذُ بِأَكنافِ الجَلاميدِ
    الصياخيد:اليوم اللافح الحر. الجلاميد:الصخور.
    فالرياح من شدة الحر تلجأ إلى أطراف الصخور ، كانها تريد الفرار من هذا الجحيم المطلق وجعلتهم موجة المجون الحادة في العصر يصفون في مقدمات مدائحهم الخمر أحياناً ، واستهل ذلك بشار ، وتوسع فيه أبو مسلم وأبو نواس وأبو العتاهية سعة شديدة.
    وعنوا على نحو ما عني الشاعر القديم ببث الحكم والأمثال في ،مثل قول أبي تمام في فضل المحسود ونقص الحسود:
    وإِذَا أَرادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضيلَةٍ طُويَتْ أَتاحَ لَها لسَانَ حَسُودِ
    لَوْلاَ اشتعَالُ النَّارِ، فيما جَاوَرَتْ ما كَانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْف العُودِ
    عناصر مستمدة من البيئة الحضارية.
    كما أضاف الشاعر العباسي لقصيدة المدح عناصر مستمدة من بيئته الحضارية.

    التناسب بين الممدوح وما يُمدح به.
    ودفعتهم دقتهم الذهنية أن يلائموا بين مدائحهم وممدوحيهم ؛ فإذا مدحوا الخلفاء نوهوا بتقواهم وعدلهم في الرعية ، وإذا مدحوا القواد أطالوا في وصف شجاعتهم، وإذا مدحوا الوزراء تحدثوا عن سياستهم ، وإذا مدحوا عالماً أشادوا بعلمه ، وكذلك صنعوا بالفقهاء والقضاة والمغنيين.
    يقول المتنبي مادحاً سيف الدولة:
    ما لي أُكَتِّـمُ حُبّـاً قد بَـرَى جَسَـدي
    وتَدَّعِـي حُـبَّ سَيـفِ الدَولـةِ الأُمَـمُ
    إِنْ كـانَ يَـجمَـعـُنـا حُبٌّ لِغُـرَّتـِهِ
    فَلَـيتَ أَنَّـا بِقَـدْرِ الحُـبِّ نَقـتَسِـمُ
    قـد زُرتُـه وسُيـُوفُ الهـِنـدِ مُغمَدةٌ
    وقـد نَظَـرتُ إليـهِ والسُـيُـوفُ دَمُ
    وَ كـانَ أَحـسَـنَ خـَلـقِ الله كُلِّهـِـمِ
    وكانَ أَحْسَنَ مـا في الأَحسَـنِ الشِيَـمُ
    تصوير الأحداث في قصيدة المدح:
    وكان الشعراء العباسيون في مدائحهم يصورون الأحداث السياسية والعسكرية التي وقعت في عصور الخلفاء وبخاصة الفتن والثورات الداخلية وحروب الخلفاء ضد أعداء الأمة وحروبهم ضد الروم والترك .
    بذلك فقد أصبحت وثائق المديح وثائق تاريخية (سياسية عسكرية ) هامة تشتمل على أحداث الفتوحات والفتن والمعارك المهمة في تاريخ الأمة .
    تعقيب:
    وعلى هذا النحو ازدهرت المدحة على لسان الشاعر العباسي لا بما رسم فيها من مثاليتنا الخلقية وسجل من الأحداث وصوَّر من البطولات العربية فحسب ، بل أيضاً بما تمثل من العناصر القديمة وأذاع فيها من ملكاته وما أضاف إليها من عناصر جديدة استمدها من بيئته الحضارية ومن نفسيته وملكاته العقلية

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    215

    افتراضي يتبع

    المحاضرة الخامسة أغراض الشعر العباسي ثانياً- الرثاء
    الرثاء لغة واصطلاحاً:
    الرثاء لغـة : رَثى فلان فلاناً يَرْثيه رَثْياً ومَرْثية:إذا بكاه بعد موته. ورثيتُ الميْت رَثْيَا ورثاء ومَرْثاة ومَرْثية: مدحته بعد الموت وبكيته ، وعدَّدْتُ محاسنه، ونظمت فيه شعراً .
    المعنى الاصطلاحي : صناعة الشعر في المرثي بكاءً وندباً وعزاءً، أو هو فن شعري يعبر عن خلجات النفس الإنسانية.
    ألوان أو أقسام الرثاء:
    للرثاء ثلاثة ألوان : النــدب والتأبين والعزاء .
    الندب : هو النوح أو البكاء على الميت بالعبارات المشجية وبالألفاظ المحزنة التي تصدع القلوب القاسية ، وتذيب العيون الجامدة.
    التأبين : الثناء على الشخص حياً أو ميتاً ، ثم اقتصر استخدامه على الموتى فقط.
    العزاء : أصل العزاء الصبر ، ثم اقتصر استعماله في الصبر على كارثة الموت، وأن يرضى من فقد عزيزاً بما فاجأه به القدر.
    موضوعات الرثاء:
    احتدم الرثاء في العصر العباسي ، فلم يمت خليفة ولا وزير ولا قائد مشهور إلا رثاه الشعراء .
    و سعر موت الأبناء وذوي الرحم قلوب الشعراء ، فبكوهم بدموع غزار .كما بكوا زوجاتهم ، وبكوا كذلك العلماء والجواري .
    وظهرت ضروب جديدة في الرثاء لم تكن معروفة قبل هذا العصر ، من ذلك رثاء المدن والحدائق والأملاك.
    ومن موضوعات الرثاء التي استحدثت في العصر العباسي رثاء الحيوانات والطيور.ونحاول الوقوف عند أنواع المراثي .
    رثاء الحيوانات:
    من موضوعات الرثاء التي استجدت في العصر العباسي رثاء المدلل من الحيوانات المستأنسة. فلم يعد الإنسان هو الكائن الوحيد الذي حزن الشعراء لفقده ، وإنما شاركه في هذا كائنات أخرى كالحيوانات الأليفة والطيـور المستأنسة ، فقد رأينا بعض الشعراء في العصر العباسي يبكون الكلاب، والقطط، والديـوك، وغيرها مـن تلك الحيوانات والطيور التي أحبها الإنسان وألفها، وأستأنس بها، ووجـد فيها السلـو والنفـع معـاً.
    وهذا الضرب من الرثاء يكشف عن معنى إنساني حضاري ، حيث تتولد العاطفة التي تربط بين الإنسان وهذا النوع من الحيوان ، والتي تغدو قوية في نفس الإنسان حتى إن فقده للحيوان الأليف لديه يبعث في نفسه الأسى والحزن .
    وجاءت الأشعار في هذا الباب تحمل أسمى العواطف الإنسانية الممتزجة بالحزن الذي يبرهن على المعاناة التي يجدها الإنسان بعد رحيل أليفه وأنيسة من الحيوانات والطيور، ولعل هذا الحزن يرجع إلى ما في هذه الحيوانات من فوائد جمة .
    ولو تتبعنا بعض النماذج التي رثى فيها الشعراء أليفهم وأنيسهم من الحيوانات لطالعنا الشاعر أبو نواس بأرجوزته في **** الذي لسعته حية في عرقوبه فمات ، ويستهلها بقوله:
    يا بؤس ***ي سـيد الكــــلاب
    قد كان أغناني عــن العقـاب
    وهذا ابن العلاف النهرواني، يتفجع على (هرة) فهي عنده بمكانة الولد، قائلاً:
    يا هرُ فارقتنـا ولـم تعــد وكنـت عندي بمنزل الولـد
    وقد رثي الشعراء طيورهم لما لها من أهمية ؛ فهي مصدر غذاء وأنس، فأبو الفرج يرثي ديكاً لـه ، قائلاً :
    أبكـي إذا أبصرت ربْعَك موحشـاً
    بتحنن وتأســـف وشهيــق
    فرثاء الحيوانات والطيور يعد من الموضوعات الجديدة التي استحدثت في العصر العباسي وإن كان له رواسب في الشعر الجاهلي إلا أن تشبعه بثقافات العصر العباسي وحضاراته وأخيلته جاء وكأنه فن جديد لا عهد للعرب به.
    رثاء المدن:
    تتمتع المدينة في العصر العباسي باستيعابها لألوان الثقافة وكل أسباب الحضارة والتمدن ، لذا فقد صارت تمثل كياناً له معنى ووجوداً في نفوس أهلها ، وأن أهلها قد صـاروا تربطهم بها روابط كثيرة ، مادية ومعنوية ، وقد تولد في نفوسهم ـ نتيجة لذلك ـ شعور إنساني نبيل إزاء المدنية ، عبروا عنه في صدق وحرارة عندما رأوا الخراب والدمار يحل بها ، وكأنهم فقدوا بهـا عـزيزاً لديهـم. حتى كان لبعض المدن في نفوس الشعراء منزلة تقارب منزلة الأهل والولد ؛ لذلك حين سقطت دولتها، وتحول المجد عنها بكاها الشعراء كما يبكون أبناءهم ، وناحوا عليها كما ينوحون على أعز عزيز لديهم.
    من هنا ظهر في العصر العباسي إطار جديد للرثاء متعلق بالنقلة الحضارية، وهو رثاء المدن، وقد كان جديداً بكل معاني الكلمة، وإن كان لهذا الفن جذور في الشعر الجاهلي - مثلاً عند امرئ القيس - فقد جاء في العصر العباسي متشبعاً بالمعطيات الثقافية والفنية ، فظهر فناً متكاملاً وكأنه فن جديد لا عهد للعرب به، إذ إن علاقة الإنسان بالمدنية من قبل لم تتوطد بالشكل الذي توطدت به في العصر العباسي . هذا من جهة . ومن جهة أخرى لم تشهد المدن الإسلامية قبل هذا العصر من الدمار والتخريب ما شهدته بعض مدن العراق في هذا العصر .
    ونماذج رثاء المدن في الشعر العباسي أكثر من أن تحصى ، من ذلك رثاء بغداد؛ حيث كانت أول محنة أصيبت بها مدينة في العراق في العصر العباسي هي المحنة التي أصيبت بها بغداد العاصمة ، حين نشب الصراع بين الأمين والمأمون ، فقد حاصرت جيوش المأمون بغداد وضربت المدينة بالمجانيق ، فاصطلي الأهالي بهذه النيران، وخرجوا من بيوتهم مشتتين بعد تهدمها ، وكثر الخراب والهدم والدمار ، حتى درست محاسن بغداد ؛ وقد صور هذا العتري في قوله:
    من ذا أصابـك يا بغـداد بالعيـن ألم تكوني زماناً قـرَّةَ العيـــن ؟!
    ألم يكن فيـك قوم كان مسكنهـم وكـان قربهـمُ زَيْنـاً من الزيـن ؟!
    يكشف الشاعر في عاطفة صادقة عن حزن عميق لما حل بالمدينة من دمار بعد أن كانت قرة للعين ، ويبكي الشاعر فراق أهلها بعد أن كانوا زينتها وهم يعيشون فيها في رغد من العيش.
    وشاعر آخر يستبدل بدل الدمع دماً لشدة حزنـه على بغـداد، قائلاً:
    بكيت دماً على بغداد لمَّـــــا فقدتُ غَضَارةَ العيـش الرقيـــق
    ومهما يكن من شيء فإن رثاء المدن في العصر العباسي كان يمثل موقفاً جديداً لشاعر العصر، فرضته عليه ظروف الحياة في المدينة وارتباطه الوجداني بها، إلى جانب الأحداث والظروف السياسية الداخلية التي عرفها ذلك العصر.
    رثاء الجواري والغلمان:
    كثر الرقيق في العصر العباسي كثرة مفرطة بسبب من كانوا يؤسرون في الحروب وبسبـب انتشار تجارته ؛ وقد كانت قصور الخلفاء والأعيان تزخر بالجواري والخدم .
    وكان للجواري مكانة كبيرة في نفوس الخلفاء والأمراء ، ينظمون الشعر فيهن إذا أعرضن ، وكم تباكى الخلفاء وأبكوا الحاضرين معهم لموت جارية من جواريهم ، من هنا شاع في العصر العباسي رثاء الجواري .
    ويمكن القـول إن هذا النوع من الرثاء يوشك أن يكون مستحدثاً في العصر العباسي ؛ لكثرتـه ولاهتمام الخلفاء به ، فالرشيد أقسم أنه سوف لا يسر بشيء بعد جاريته " هيلانه "، فبفراقها فارق لذة العيش ، يقول:
    أقول لما ضمنـوك الثـــــرى وجالـت الحسـرة في صدري
    أذهـب فلا والله لا ســــرنى بعــدك شيء أخــر الدهــر
    وابن الرومي ماتت مغنيته " بستان " حزن عليها حزناً شديداً وأخذ يعبر عن هذا الحزن في مائة وخمسة وستين بيتاً من الشعـر من ذلك قـوله :
    كـوَّر شمـس النهـار فانكـدرت كواكب الليـل كل مُنْكــدر
    فكأن القيامة قد قامت بموتها .
    فالبكاء على الجارية بكاء على فقد الأنس والنعيم ومباهج الحياة وكذا الحال في بكاء الغلمان
    رثاء العلماء والأدباء:
    ومما شاع في العصر العباسي - والذي يعد من مستجدات الرثاء - رثاء العلماء والأدباء ، فقد رثي أعرابي العالم الجليل محمد بن جرير الطبري ، فبين أن موته خطب عجز عنه الصبر ، قائلاً:
    حـدث منقطـع وخطب جليــل دق عـن مثلـه اصطبـار الصبـور
    قام ناعـي العلوم أجمـع لمــــا قـام ناعـــي محمد بن جريـــر
    فهـوت أنجـم لها زاهــــرات مؤذنــات رسومهــا بالدثــور
    رثاء الخلفاء والوزراء:
    وشاع في العصر العباسي رثاء الخلفاء والوزراء والأمراء والقادة
    وجاءت تعبيراتهم تفيض بالألم والحسرة لفقدهم.
    فهذا المتوكل لمكانته في نفوس الشعراء رثوه رثاءً حاراً ، فهذا قول " محمد بن يزيد الأموي " يخاطب القبر بأن روحه بداخله:
    أيهـا القبـر إن فيـك لروحــي نُزعـت من مفاصلي وعظامــي
    رثاء الرفقاء والأصدقاء:
    ومن ملامح التجديد في مضامين الرثاء، رثاء الرفقاء والأصدقاء؛ لما لهم من مكانة خاصة في النفس، ففقدهم كان مؤلماً.
    وقد شاع في العصر العباسي بكاء الرفقاء والأصدقاء، بكاء يفجر الحزن في النفس؛ لما يصور من شقاء الأصدقاء بموت رفاقهم وكيف يصطلون بنار الفـراق المحـرقة، وأخذ الشعراء يعبرون عن حزنهم بأبيات شعرية، فهذا "بشار" يتحسر على صديقه ، قائلاً:
    ويلي عليه وويلتي مــن بينــه كان المحب وكنـت حبـاً فانقضى
    قد ذقت ألفتـه وذقـت فراقـه فوجدت ذا عسـلاً وذا جمر الغضا
    رثاء الأبناء:
    ورثاء الأبناء من الأنماط التي يمتلئ بها الرثاء في كل العصور، وهو من أشرف الأشعار وأصدقها.
    ويكون التجديد في الشعر الذي يتناول رثاء الأبناء بقدر ما يعكسه العصر على الشاعر من رقة مشاعر وأحاسيس تتأثر بها قصائده ؛ والشاعر العباسي عبر عن حزنه الشديد لفقد ابنه بمظاهر الحزن المختلفة من بكاء شديد أو أرق متواصل ، أو ما وصل إليه حالهم بعد أبنائهم ، أو بكل وسائل التعبير المختلفة .
    وأفضل من استخدم الدموع مظهراً من مظاهر الحزن " ابن الرومي " عندما اختطف الموت ابنه (محمد)، فأخذ يبكيه بكاء حاراً ، مخاطباً عينيه أن ترسل الدموع غزيرة ، قائلاً:
    بكـاؤكُما يُشْفي وإن كان لا يُجْدي
    فَجُـودا فقد أودى نظيـركُمَا عنْـدي
    " وبشار بن برد " يعد نفسه غريباً بعد موت ابنه محمد،قائلاً:
    كأنــي غريــب بعد موت محمد
    وما الموت فينـا بعـده بغريــب
    رثاء الآباء:
    ويعد رثاء الآباء من أنماط الرثاء التي انتشرت في العصر العباسي ويرجع هذا إلى أن "معظم الشعراء ينشأون يتامى " بسبب ما في هذا العصر من ثورات وحروب وموت وتعذيب ، وهذا النوع من الشعر أقل بكثير من الشعر الذي يرثي الأبناء لاختلاف عاطفة الابن نحو أبيه عن عاطفة الأب نحو ابنه ؛ فحزن الأب على ابنه أشد بكثير من حزن الابن على أبيه .
    يقول المعري في وفاة والده:
    وبعدك لا يَهْوى الفُؤادُ مســـرَّةً وإْن خان في وصْـل السُّرور فلا يَهْني
    رثاء الزوجة:
    حظيت الزوجة باحترام الرجل العربي وتقديره ، واستأثرت بحبه على مر العصور ، وجزع على هجرها وظعنها .
    فكان للزوجة في العصر العباسي مكانة غالية عند زوجها ، فاحتفي بها حية وحزن حزناً شديداً لفقدها ، واستعان الشعراء على ذلك بمعطيات البيئة العباسية في طريقـة التعبير عن أحزانهم ؛ فهذا شاعر عباسي يتمنى افتداء زوجته بنفسه وإلا فليمت معها، قائلاً :
    فيا ليتني للمـوت قدمت قبلهــا وإلا فليت المـوت أذهبنـا معــاً
    ..........
    المحاضرة السادسة أغراض الشعر العباسي الهجاء والفخر والعتاب والزهدمقدمة:
    وقفنا في المحاضرات السابقة عند فني المدح والرثاء وعرفنا ما طرأ عليهما من تجديد بسبب ظروف العصر العباسي .
    ونحاول في هذا اللقاء الوقوف عند بعض فنون الشعر العباسي وهي:( الهجاء، والفخر، والعتاب والاعتذار، والزهد).
    • الهجاء: إذا تركنا المديح والرثاء إلى الهجاء وجدنا معالم التطور فيه أعمق وأوسع منها في المديح الخالص؛ إذ كان يتصل بحياة الشعب والعامة اتصالاً وثيقاً. ولعله أدق من اتصال المديح بحياة العامة.
    وإذا كان فن النقائض ضعف في العصر العباسي فإن فن الهجاء لم يضعف بسبب التنافس الشديد بين الشعراء ، وقد عمت فيه روح جديدة .
    ويخيل لمن يقرأ شعر الهجاء في العصر العباسي أن أصحابه لم يتركوا مثلبة خلقية أو نفسية في شخص إلا صوروها . ولم يترك الشعراء خليفةً ولا وزيراً ولا قاضياً ولا عالماً ولا مغنياً إلا كالوا له الهجاء كيلاً ، ويمكن تلمس ذلك في أي ديوان شعر من دواوين شعر العصر العباسي.
    يقول علي بن بسام في هجاء العباس بن الحسن وزير المستكفي:
    وزارة العباس من نحسها ستقلع الدولة من أُسّها
    شبهته لما بدا مقبلاً في خلع يخجل من لبسها
    جارية رعناء قد قدّرت ثياب مولاها على نفسها
    وقد هجاء حماد عجرد الشاعر بشار، قائلاً:
    ألا مَن مُبلِّغٌ عني الذي والِدُه بُردُ
    إذا ما نُسِب الناسُ فلا قَبِلٌ ولا بَعدُ
    وأعَمى يُشبه القِرد إذا ما عَمِيَ القِردُ
    ولو تُلقِيه في صَلْدٍ صَفاً لا نْصَدَعَ الصَّلْدُ
    هو ال***ُ إذا ما مات لم يُوجَدْ لـه فَقْدُ
    ويقال إن بشاراً حين سمع هذه الأبيات بكى من شدة إيلامها لنفسه.
    ويكثر في هجاء بشار وغيره هتك الأعراض، وربما كان لشيوع الفحش والمجون أثر في ذلك.
    وتشيع في كثير من قطع الهجاء روح السخرية المريرة ، وقد تشيع روح الفكاهة المضحكة.
    فيمكن القول إن الهجاء العباسي أصبح الصحيفة التربوية المقابلة للمديح ، فالمدح يرسم المثالية الخلقية لهذه التربية ، والهجاء يرسم المساوئ الفردية والاجتماعية التي ينبغي أن يتخلص منها المجتمع العباسي .
    الفخر: ظلت للفخر حيويته القديمة وإن ضعف صوت الفخر القبلي ، وإن كنا نجده من حين لآخر عند بعض الشعراء العباسيين ، كما هو عند أبي نواس الذي كان يتعصب لمواليه من بني سعد العشيرة القحطانية ، ونظم في ذلك أشعاراً كثيرة .
    وكما هو عند البحتري الذي يفتخر بقبيلته ” طي ” ، وكذلك علي بن الجهم الذي افتخر بأهله القرشيين ، قائلاً:
    أُولئكَ آلُ اللـهِ فِهْرُ بنُ مالكٍ بهم يُجْبَرُ العظمُ الكسيرُ ويُكْسَرُ
    هُمُ الْمَنْكِبُ العالي عَلى كُلِّ مَنْكِبٍ سيوفُهُم تُفْني وتُغْني وتُفْقِرُ
    وارتفع الفخر السياسي ، ونجد ذلك واضحاً عند ابن المعتز الذي يفتخر بأحقية بني العباس بالخلافة ، يقول مقدماً بعض شيمه:
    لا أشرَبُ الماءَ إلاّ وهوَ مُنجَرِدٌ من القَذَى ولغَيري الشَّوبُ والرَّنِق
    عَزمي حُسامٌ، وقَلبي لا يُخالِفُهُ، إذا تَخاصَمَ عَزْمُ المَرءِ والفَرَق
    فهو يشرب الماء صفواً وغيره يشربه كدراً وشوباً وطيناً ، وهو قوي لا يخاف.
    الشوب: الماء المخلوط - الرنق: الكدر.
    الفرق: الخوف.
    وما يلاحظ على الفخر العباسي أن كثيراً من الشعراء صدروا في فخرهم عن شعور طاغ بالمروءة والكرامة والشيم الرفيعة ، كما في قول الشاعر العباسي:
    وَمَن يَفتَقِر مِنّا يَعِش بِحُسامِهِ وَمَن يَفتَقِر مِن سائِرِ الناسِ يَسأَلِ
    وَإِنّا لَنَلـهو بِالسُيوفِ كَما لَهَت فَتاةٌ بِعِقدٍ أَو سِخابِ قَرَنفُلِ
    سخاب قرنفل: قلادة من الطيب.
    العتاب والاعتذار: وأكثر الشعراء في العصر العباسي من العتاب والاعتذار ، سواء بين المتحابين أو بين الأصدقاء ، وقد تفننوا في ذلك على صور شتى تسعفهم ملكاتهم العقلية الخصبة بمعان وخواطر لم تفد على سابقيهم ، أو لعلها وفدت ولكنهم أبرزوها إبرازاً جديداً ، تسعفهم في ذلك مشاعرهم المرهفة وأذواقهم المتحضرة الرقيقة ومهارتهم في الإتيان بالمعاني التي تروق العقول والقلوب.
    وربما كان من أجمل ما صاغوه في العتاب قول سعيد بن حميد:
    أقللْ عتابك فالبقاءُ قليل والدهر يَعدِلُ تارةً ويميلُ
    لم أبْكِ من زمن ذَمَمتُ صُروفه إلا بكَيتُ عليه حين يَزُولُ
    ولكُلّ نائبةٍ ألمت مُدةٌ ولكل حالٍ أقبَلت تَخويلُ
    ومن أشهر شعراء الاعتذار في العصر العباسي وأكثرهم تفنناً في فيه البحتري ، وقد أجمع القدماء على الإعجاب باعتذاراته للفتح بن خاقان وزير المتوكل ومن طريف ما قاله فيها :
    أُقِرُّ بِما لَمْ أجْنِهِ مُتَنَصِّلاً إلَيْكَ، على أنّي إخالُكَ ألْوَمَا
    ليَ الذّنْبُ مَعْرُوفاً، وإن كنتُ جاهلاً بهِ، وَلَكَ العُتْبَى عَلَيّ وأنْعِمَا
    وَمِثْلُكَ إنْ أبْدَى الفَعَالَ أعادَهُ، وإنْ صَنَعَ المَعرُوفَ زَادَ وَتَمّمَا
    الزهد: كان الزهد من الموضوعات التي تتصل بحياة العامة ، وقد نشأ عنه التصوف.
    وكانت الحانات في العصر العباسي تكتظ بالفقهاء والمحدِّثين والعبَّاد والنسَّاك والوعاظ وكانوا يدعون إلى الزهد وترك المتاع الفاني والإقبال على ما عند الله من المتاع الباقي ، مكررين الحديث عن الموت والتقوى والعمل الصالح . وبلغ من انتشار شعر الزهد حينئذ أن اشترك فيه كثير من الشعراء الذين تطفح دواوينهم بالحديث عن الخمر والمجون من أمثال: أبي نواس ، وابن الرومي ، وابن المعتز .
    يقول أبو نواس:
    أيا رُبَّ وَجهٍ، في التّرابِ، عَتيقِ، ويا رُبَّ حُسْنٍ، في التّرابِ، رَقيقِ
    أرى كل حيٍّ هالِكاً وابنَ هالِكٍ، وذا نَسَبٍ في الـهالكينَ عَريقِ
    فقُلْ لقرِيبِ الدّارِ: إنّكَ ظاعِنٌ إلى مَنْزِلٍ نائي الْمَحَلِّ سَحيقِ
    إذا امتَحَنَ الدُّنيا لَبيبٌ تكَشَّفَتْ لـهُ عَنْ عَدوٍّ في ثِيابِ صَديقِ
    ويقول علي بن الجهم زاهداً:
    وعاقِبَةُ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ جَمِيلَةٌ وأَفْضَلُ أَخْلاقِ الرِّجالِ التَّفَضُّلُ
    وما المالُ إلاَّ حَسْرَةٌ إنْ تركتَهُ وغُنْمٌ إذا قَدَّمْتَهُ مُتَعَجَّلُ
    ولِلْخَيْرِ أَهْلٌ يَسْعَدُونَ بِفِعْلِه ولِلنَّاسِ أَحْوالٌ بهم تَتَنَقَّلُ
    وللـهِ فِينا عِلْمُ غَيْبٍ وإنَّما يُوَفِّقُ مِنَّا مَنْ يَشاءُ ويَخْذُلُ
    ............
    المحاضرة السابعة أغراض الشعر العباسي
    الغزل- الشعر التعليميانتهينا في المحاضرات السابقة من عرض لمجموعة من أغراض الشعر العباسي ، ومنها: المدح – الرثاء- الهجاء – الفخر – والاعتذار والعتاب. ونحاول في هذه المحاضرة أن ننهي جانب الحديث عن أغراض الشعر العباسي ، وذلك بالحديث عن غرضين من أغراض هذا الشعر ، وهما : الغزل ، والشعر التعليمي.
    • مفهوم الغزل:
    الغزل في لغة العرب يعني الظهور والارتفاع إلى نشاط الحركة المميزة، ومنه سميت الغزالة بهذا الاسم ، ذلك الحيوان البري لرشاقة حركته وسحره الظاهر، وسميت الشمس بالغزالة لارتفاعها والحرارة المتوهجة منها.
    أما في الاصطلاح فهو يعني التودد إلى النساء ، وحب الحديث إليهن. وقالوا الغزل:التصابي.
    عامل الغزل : الحب ومن طبع الإنسان أن يستلطف كل جميل ويميل إليه.
    أنواع الغزل: (الغزل العذري)
    الغزل العذري: هو الذي يخرج عن عاطفة صادقة وعماد هذا اللون الصدق في العاطفة والعفة في القول فلا يتناول الشاعر ما يناقض العفة وإنما يعتمد على المعاني الروحية والنوازع القلبية.
    نشأ هذا النوع من الغزل في بادية العصر الأموي.
    الغزل الصريح:
    ازدهر هذا الغزل وترعرع في البيئة الحضارية في العصر الأموي ويطلق عليه الغزل الحسي حيث له طابع حسي في التعبير عن عواطف الحب .
    الغزل العباسي:
    ولعل الشاعر العباسي لم يُعن بموضوع قديم كما عني بالغزل ، وكانوا ينظمونه تعبيراً عن عاطفة الحب الإنسانية الخالدة ، وتلبية لحاجات الناس الوجدانية حاجات المغنين والمغنيات من المقطوعات والأشعار التي توقّع الآلات والمعارف الموسيقية ، ولذلك تطلبها دائماً دور القيان والطرب.
    وكاد أن يكون لكل شاعر طائفة من الجواري يحففن به ، وكان منهن كثيرات يحسن نظم الشعر؛ لذلك كان طبيعياً أن يشيع الغزل الماجن في هذا العصر.
    وقد مضى الغزل يجري في نفس التيارين الذين اندفع فيهما عصر بني أمية ، ونقصد تيار الغزل الصريح والغزل العفيف.
    وكان تيار الغزل الصريح أكثر انتشاراً بسبب كثرة الجواري والقيان ، وخرج هذا النوع من الغزل عن كل حشمة ووقار، فأصبح يختلف عما كان عليه عند عمر بن أبي ربيعة في العصر الأموي. واستحدثت من الغزل ضروباً جديدة كالتغزل بالغلمان ، كما هو عند بشار ، وأبي نواس.
    أما الغزل العذري ( العفيف) فقد أخذ يضيق ضيقاً شديداً في العصر العباسي بالقياس إلى عصر بني أمية الذي أخذ ينتشر فيه هذا النوع من الغزل انتشاراً واسعاً.
    وإن كنا نجده عند الشاعر العباسي العباس بن الأحنف، من ذلك قوله:
    واللـهِ لَوْ أنّ القُلوبِ كَقَلْبِها ما رَقّ للوَلدِ الصّغيرِ الوَالدُ
    كتَبتْ بأن لا تأتِني فَهَجَرْتُها لتَذوق طَعمَ الـهَجْرِ ثمّ أُعاوِدُ
    ويقول العباس أيضاً:
    أزَينَ نِساءِ العالَمينَ أجيبي دُعاءَ مَشوقٍ بالعِراقِ غرِيبِ
    كتَبتُ كِتابي ما أقُيمُ حروفَه لشِدّة إعوالي وطُول نَحيبي
    أخُطُّ وأمحو ما خَطَطتُ بِعَبْرةٍ تَسُحُّ على القِرطاس سَحَّ غُروبِ
    أيا فوزُ لو أبصرتني ما عَرَفتِني لطولِ شُجوني بعدَكُم وشحوبي
    وأنتِ من الدُّنيا نصيبي فإن أمُت فليتكِ من حُورِ الجِنانِ نصيبي
    أرى البَيْنَ يشكوهُ المُحبُّون كلُّهمْ فيا رَب قرِّبْ دارَ كلِّ حَبيبِ
    من خصائص الغزل العباسي:
    1- تداوله أفذاذ الشعراء العباسيين.
    2- صيغ بعقلية خصبة حديثة.
    3- احتوى على قدر من التوليد في المعاني القديمة.
    4- اعتمد على الأخيلة الجديدة.
    5- اتسع لكل الصور القديمة من نسيب ووصف الأطلال والديار الدارسة، إضافة إلى الصور الجديدة.
    6- يحتوي على الفكر الدقيق والإحساس المرهف المناسب لحضارة العصر.
    الشعر التعليمي: الشعر التعليمي فن استحدثه العباسيون ولم تكن له أي أصول قديمة .
    وقد دفع إليه رقي الحياة العقلية في العصر العباسي ؛ فإذا نفر من الشعراء ينظمون بعض القصص أو بعض المعارف أو بعض السير والأخبار .
    ومن أوائل ما يلقانا من ذلك، تحدث صفوان الأنصاري في أشعاره عن فضل الأرض وما تحمل من كنوز ومعادن كريمة.
    وقد عمل أبان بن عبد الحميد على إشاعة هذا الفن الشعري الجديد، فقد نظم فيه تاريخاً وفقهاً وقصصاً كثيرة.
    وأهم من ذلك كله أنه نظم في القصص كتاب كليلة ودمنة في أربعة عشر ألف بيت، يستهلها بقوله:
    هذا كتاب أدب ومحنة وهو الذي يدعى كليلة ودمنة
    وابن المعتز يعنى بنظم سيرة المعتضد الخليفة العباسي ، وعلي بن الجهم ينظم قصيدة مزدوجة في التاريخ تقع في أكثر من ثلاثمائة بيت ، منها قوله:
    يا سائِلِي عَنِ ابْتِداءِ الخَلْقِ مَسْأَلَةَ الْقاصِدِ قَصْدَ الْحَقِّ
    أَخْبَرَنِي قُوْمٌ مِنَ الثِّقاتِ أُولُو عُلُومٍ وَأُولُو هَيْئاتِ
    كما لابن دريد قصائد تعليمية في مجال اللغة.
    .....
    المحاضرة الثامنة
    من أعلام الشعر العباسي بشار بن برد
    مقدمة: بعد أن انتهينا من الحديث عن الحياة السياسية ، والحياة الاجتماعية ، والحياة الثقافية والعقلية.
    وانتهينا كذلك من الحديث عن أغراض الشعر العباسي من مدح ورثاء وفخر وهجاء وعتاب وغزل وشعر تعليمي.
    كان لابد من الوقوف على بعض أعلام الشعراء العباسيين ، نتناول مجموعة من هؤلاء الشعراء ، ونبدأ مع شاعرنا ” بشار بن برد“.
    • بشار بن برد( مولده ونشأته):
    بشار بن برد: ولد بشار بن برد بن يرجوخ في البصرة سنة95هـ وقيل سنة96هـ ، وفيها نشأ.
    فارسي الأب ، رومي الأم ، أخذ يتلون في انتسابه ، مرة ينتسب إلى قيس غيلان ، ومرة ينتسب إلى بني عامر.
    كان أبوه طياناً يعيش من ضرب اللبن ، وله أخوان: بشر وبشير كانا قصابين، وكان أحدهما أعرج والآخر أبتر.
    ولد بشار أعمى، فلم ينظر إلى الدنيا قط، وعبَّر عن عماه مبكراً قائلاً:
    عمِيتُ جَنِينا والذكاءُ من العَمَى فجئتُ عجيبَ الظن للعِلم مَعْقِلا
    يعد بشار أشهر الشعراء المخضرمين للدولتين الأموية والعباسية ، ورأس الشعراء المحدثين وأحد البلغاء المكفوفين وإمام الشعراء المولدين.
    لقد حددت آفة بشار حياته منذ نعومة أظفاره ، فاتجه إلى المساجد وإلى مربد البصرة ينهل من حلقات العلم والشعر ، وأعانته نشأته في بني عُقيل على أن يتمثل السليقة العربية .
    ولم يكد يبلغ العاشرة حتى أخذ ينبوع الشعر يسيل على لسانه.
    وكان الهجاء حينئذ يضطرم في موطنه اضطراماً لا بين جرير والفرزدق فقط ، بل بين جميع الشعراء ، فكان من الطبيعي أن الهجاء أول الموضوعات التي نظم فيها بشار شعره.
    كما اشتد بـ ”بشار“ طموحه إلى إتقان اللغة العربية ، فاتجه نحو البادية ، فقام فيها فترة مكنت له من عربية لسانه وفقهه الدقيق في اللغة وشؤون البادية ، وعاد إلى البصرة يُكثر من الاختلاف إلى حلقات المتكلمين ومجالسهم .
    وجعل بشار يتابع بنهم كتب الأدب القديمة ، حتى اشتهر بشعره ، وعد من مشاهير شعراء عصره ، وكان في مقدمة الذين نبغوا في أوائل العصر العباسي الأول ، وهو مقدم عليهم بإجماع الرواة ورئيسهم بلا خلاف .
    ذكر“ الجاحظ ”: ” المطبعون من الشعراء : بشار،والسيد الحميري ، وأبو العتاهية، وابن عيينة، ولكن بشار أطبعهم“.
    ويقال أيضاً: ”إن أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام ثلاثة: بشار وأبو العتاهية والسيد الحميري“.
    العوامل المؤثرة في حياته وشاعريته:
    1- أصله الفارسي:
    فقد كان فارسي الأصل ، فورث عن الفرس حدة المزاج ، والتعصب لأصله.
    2- عماه:
    فكان يحس بالمرارة من عماه والحقد على المبصرين.
    3- فقره وأسرته:
    لقد ضاعف في نفسه وزاد من حقده فقر أسرته وتخلفها في المجتمع.
    4- تربيته في بني عقيل وذهابه إلى البادية ؛ مما جعله يتقن العربية ويتمثل سليقتها بكل مقوماتها.
    5- تردده على حلقات المتكلمين بالمساجد يستمع إلى محاورات لأصحاب الملل والنحل والأهواء المختلفة.
    6- اطلاعه على ما نقله ابن المقفع إلى العربية من الآداب الفارسية وغير الفارسية ، ومن الآراء المختلفة ، وكان ذلك كله سبباً في أن يحدث تشويشاً في فكره وأن تمتلئ نفسه بالشك والحيرة ، فتحول شعوبياً يبغض العرب والعروبة.
    7- بيئته:
    كانت بيئة بشار تكتظ بالجواري والقيان ، فاختلط بهن وتغزل فيهن، وساعده على ذلك فقد بصره ؛ حيث مال إلى التجسيد والتشخيص.
    هذه العوامل وغيرها أثرت في طبيعة بشار وفي شعره؛ فجاءت طبيعته شديدة التعقيد ، وجاء شعره لاذع الهجاء، حسي الغزل.
    شاعريته :
    لـ ”بشار“ شاعرية خصبة أصيلة أتيح لها أن تتجاوب مع روح العصر وتعبر عن خوالج النفس ، فالغزل والهجاء والمدح والوصف والرثاء والحكمة كلها فنون كان فيها بشار قوي الحس ، مرهف الشعور ، سريع الانفعال.
    ولـ“ بشار“ قدرة فائقة على التوفيق بين اللفظ والمعنى وبين الصورة والموضوع ، فهو شاعر مطبوع ولم يكن متكلفاً .
    وهذا الشاعر الأعمى وهبه الله طبعاً قاسياً وذكاءً حاداً، فقد قال في شعره : ” لي اثنا عشر ألف بيت عين ” .
    أغراضه الشعرية ( الغزل والنسيب).
    باب الغزل عند بشار من الأبواب الشعرية التي احتلت جانباً مهماً في ديوانه ؛ فهو يصف مجالس حبه ، ويتحدث عن حبيباته إلى غير ذلك.
    يقول عنه الجاحظ:“ إنه هو والأعشى وهما أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الأمر ما لا يبلغه البصير ولـ ”بشار“ خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد“.
    وقال الأصفهاني: ” عهدي بالبصرة وليس فيها غزل ولا غزلة إلا ويروى من شعر بشار ”.
    ويتضح في غزل بشار أنه يتمثل لكل ما نظم في هذا الفن قديماً من التشبيب والنسيب وبكاء الديار ، ومن الغزل المادي عند عمر بن أبي ربيعة وأقرانه ، ومن الغزل العذري عند جميل وأمثاله . وقد مضى في كل ذلك يستلهم الرقي العقلي الحديث والحضارة العباسية.
    ومن شعره في محبوبته ” عبده ”:
    أَبِيتُ أَرمَدَ مَا لمْ أَكْتحِلْ بِكُمُ وَفِي اكْتِحالٍ بِكُمْ شافٍ مْن الرَّمَدِ
    وَكُلُّ حِبٍّ سَيَسْتشْفِي بِحِبَّتِهِ سَاقتْ إلى الغيِّ أَوْ سَاقتْ إِلى الرَّشدِ
    وكثيراً ما كان يردد في أشعاره أن السمع يحل محل العين في تقدير الجمال، قائلاً:
    يا قوْمِ أذْنِي لِبعْضِ الحيِّ عاشِقةٌ
    والأُذن تَعْشَقُ قبْل العَيْن أحْيانَا
    قالوا بِمَن لا تَرى تَهْذِي فقُلْتُ لَهُمْ
    الأُذنُ كالعَيْن تُؤْتِي القَلْبَ ما كَانَا
    فقد أثبت بشار براعته في صياغة الشعر الغزلي الرفيع وأجاد فيه.
    المديح:
    يعد المديح أهم غرض وصلَّ بشاراً بالتراث، فقد حافظ فيه على نهج القدماء ، سواء من حيث جزالة الألفاظ ورصانتها ومتانتها، أو من حيث المنهج الذي سار عليه القدماء حيث كانوا يبداؤن قصائد المديح بالغزل والنسيب ثم الوصف ثم المدح ثم الحكمة، وكل ذلك احتذاه بشار في كثير من مدائحه ، بل احتذى نفس المعاني والأخيلة.
    وأخذ يخلع على ممدوحيه من الخلفاء والولاة نفس الشيم الرفيعة التي طالما خلعها الجاهليون والإسلاميون من الكرم والمروءة والشجاعة ، ... والصفات الدينية التي خلعها الإسلاميون
    على ممدوحيهم من الخلفاء والوزراء. يمدح أحد الوزراء، قائلاً:
    إِذَا جِئتَهُ للْحَمْدِ أشْرَقَ وَجْهُهُ إِلَيْكَ وأعْطَاكَ الكرَامةَ بالحَمد
    ويلاحظ أنه يُدخل في خيوط قصيدته خيوطاً جديدة ويمكن تبين ذلك في استلهامه كلام ابن المقفع في الأدب الكبير،من ذلك قوله:
    إذا كنت في كل الأمور معاتباً
    صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
    إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
    ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
    الرثاء:
    عرفنا أن بشاراً كان منغمساً في اللهو ، ولم تكن نفسه مفطورة على الأسى والحزن ، لذا لم نجد له مراثي كثيرة ، ومع ذلك رثي ابنه محمداً في قصيدة تصور لنا عاطفة الأب المفجوع، قائلاً:
    أُصيبَ بُنَيَّ حينَ أورقَ غصنُهُ وألقى عليَّ الـهمَّ كلُّ قريبِ
    الهجاء والفخر:
    توجد عدة عوامل جعلت بشاراً يسرف في الهجاء والفخر، منها:
    1- كان يريد أن يشتهر كما اشتهر جرير والفرزدق في هذين الفنين.
    2- فقد بصره ولَّد عنده مرارة وحقداً
    3- كان مولى والموالي كان يُنظر إليهم نظرة احتقار، فولَّد ذلك عنده كره للمجتمع.
    4- فقره وبؤسه وبؤس عائلته، جعله ناقماً على من حوله.
    أما فخره فكان يفتخر بأنه قيسي حيث كان والي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة كان يتعصب لأصوله من قيس ، وكان بشار يعيش في كنفه ، هذا في العصر الأموي.
    أما في العصر العباسي لما كثر العنصر الفارسي وحقق انتصارات عديدة تحول بشار شعوبياً متعصباً لأصله الفارسي، يقول:
    إِذَا ما غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيّةً هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أوْ تُمطِر الدِّمَا
    إِذَا ما أَعَرْنا سَيِّداً من قَبِيلَةٍ ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى علَينا وسَلَّما
    مما سبق يتبين أن بشاراً تمسك بالتراث وواءم بينه وبين عصره.
    .......
    ا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    215

    افتراضي يتبع

    المحاضرة التاسعة
    من أعلام الشعر العباسي أبو نواس
    مقدمة: تناولنا في المحاضرة السابقة شاعراً من شعراء العصر العباسي ، وهو الشاعر: بشار بن برد.
    ووقفنا على مولده ،وحياته ،ونشأته ،وشاعريته، والعوامل المؤثرة في شخصيته وشاعريته ، وتعرضانا لبعض أغراضه الشعرية.
    وتحاول هذه المحاضرة أن تلقي الضوء على شاعر آخر من شعراء العصر العباسي ، وهو الشاعر: أبو نواس.
    • :مولده ونشأته ووفاته وأصله
    أبو نواس:هو الحسن بن هانئ، ويعد أهم شاعر يصور الفساد الخلقي من جميع نواحيه.
    ولد في الأهواز - من بلاد خوزستان – سنة145هـ على التقريب.
    نشأ بالبصرة، ورحل إلى بغداد واتصل فيها بخلفاء بني العباس، وخرج إلى دمشق، ومنها إلى مصر، وعاد إلى بغداد فأقام بها إلى أن توفي سنة198ه.
    أصله: فارسي الأم والأب ، وكني بكنية يمنية هي: أبو نواس، وكان يسعى إلى إلحاق نسبه بالعرب.
    حياته:
    نشأ أبو نواس يتيماً، حيث قدمت به أمه إلى البصرة بعد سنتين من مولده، وترعرع في بيئة سادها التهافت على اللهو، فلم تعبأ أمه بحاله، فأسلمته إلى عطار بالبصرة ، فمكث عنده ؛ ليتعلم العربية والشعر، إلى أن صادفه عند العطار ”والبة بن الحباب“ الشاعر الماجن ، وأعجب كل منهما بالآخر ، وأخرجه والبة معه إلى الكوفة- وربما كان من دوافع خروجه إلى الكوفة مع والبة بن الحباب ، سيرة أمه في البصرة التي كانت تلاحقه وتؤذيه- وبقي معه ومع ندمائه ، وخرج عليهم بالشعر ، وفاقهم جميعاً.
    وقدم بغداد فبلغ خبره الرشيد فأذن له بمدحه فمدحه بقصائد طنانة، ثم انقطع على مدح محمد الأمين الخليفة العباسي، وثبت عنده بعض ما يوجب تعزيزه فسجنه، ولم يلبث بعد خروجه من السجن أن توفي عام198ه، ودفن بمقبرة الصالحين بالجانب الغربي من بغداد.
    ثقافته:
    يقول الدكتور/أحمد زكي عنه:“ أبو نواس شاعر ، ولكنه لم يعدم الاتصال بأصحاب الحديث وعلماء الأخبار واللغة، واتصل بالأعراب ورحل إلى البادية ، وقرأ ما خلفه الفرس، وأحاط بما شاع من آثار اليونان، فكان نمطاً بصرياً ، يجمع بين رقة الفنان ودقة العالم“.
    أخذ يفد إلى المربد، كما أخذ ينهل من دروس اللغويين ومحاضراتهم ، خاصة خلف الحمر.
    وقرأ كتب الحديث على بضعة من أئمة البصرة . وقرأ شعر ذي الرُّمة على الراوية محمد بن حبيب الناشئ، وتخرج في الشعر ومعانيه على يد خلف الأحمر.
    وتفرغ أبو نواس للنوادر والمُلح والميل إلى الهزل والعبث.
    ولما تقدمت به السن وعلته الشيخوخة ، أخذ ينيب إلى ربه، وينظم أبياتاً مختلفة في الزهد والتنسك.
    العوامل المؤثرة في طبعه وشاعريته:
    1- أصله الفارسي، الذي ورَّث فيه حدة المزاج العصبي.
    2- ثقافته وثقافة عصره: تثقف أبو نواس بكل الثقافات التي عاصرها من عربية وإسلامية ، ومن هندية وفارسية ويونانية ، ومن مجوسية ويهودية ونصرانية، كما غرف من حضارة عصره المادية في آثامها وخطاياها.
    3- سيرة أمه المنحرفة: حيث جعلته يتخذ من المجون والفسق أداة،بل ملجأ للهروب من أزمته ومن هموم الحياة وأحزانها، وأحياناً يعلن تمرداً وإلحاداً في الدين، ولكنه إلحاد عابر،لا إلحاد عقيدة .
    4- ميله إلى الهزل والعبث، ولعل ذلك هو الذي جرَّه إلى صياح كثير في وجه الدين الحنيف، وكان إذا تلوَّمه بعض معاصريه قال:“ والله ما أدين غير الإسلام ولكن ربما نزا بي المجون حتى أتناول العظائم“.
    5- كان يحظى بملكات شعرية بديعة، وهي ملكات صقلها بالدرس الطويل للشعر القديم واللغة العربية الأصيلة، حتى قال الجاحظـ :“ ما رأيت أحداً أعلم باللغة من أبي نواس، وأضاف إلى هذا العلم علماً جديداً بقوالب الشعر الجاهلي والإسلامي وما صارت إليه عند بشار وأقرانه من أوائل العباسيين ”.
    ومن خلال هذه القوالب جميعها أخذت شخصيته تنمو في اتجاهين:
    أ‌- اتجاه يحافظ فيه على التقاليد الموضوعة دون أن يشتط في التجديد.
    ب‌- اتجاه يجدد فيه تجديداً واسعاً ، يجدد في معانيه وألفاظه .
    ويمكن أن نسلك في الاتجاه الأول مدائحه وأراجيزه ومراثيه، وبينما نسلك في الاتجاه الثاني أهاجيه وغزلياته وخمرياته وكل ما يتصل بعبثه ولهوه.
    شاعريته:
    يمثل أبو نواس عصره المضطرب أصدق تمثيل ، كما اشتهر بتنقيح الشعر، وهو من الشعراء المطبوعين ، استطاع أن يفرض شخصيته على شعره وأوجد فنوناً جديدة كالغزل المذكر ، وأوسع بعض الأغراض القديمة فجعل منها فنوناً مستقلة كالخمريات.
    ويشهد المؤرخون أن شعره عذب يسير على الألسن ويعلق بالذاكرة ؛فيقول الدكتور /زكي المحاسني:“ لقد جدد أبو نواس في الشعر العربي فجاد بفنون ما عرفها العرب في شعرهم من قبل ، فإذا ذكر المجون في شعر العرب عُد أباه وأمه ولا تثريب على أبي نواس أن تكون لغته في المجون والخمر رهوة خالية من الغريب نقية صافية .
    أغراضه الشعرية:
    نظم أبو نواس شعره في جميع الأغراض الشعرية ، ونقف عند جانب من هذه الأغراض:
    المدح:
    كان كثيراً في مدائحه ما يحتفظ بالمقدمات القديمة، وله في ذلك:
    يا دارُ! ما فعَلَتْ بكِ الأيّامُ، ضامتكِ، والأيّامُ ليسَ تُضامُ
    ويلاحظ أنه لم يكن يطيل في وصف رحلته بالصحراء ، وإن كان يطيل التعمق أكثر في المبالغة حين يمدح الخلفاء، كقوله في الرشيد:
    وَأخَفْتَ أهْلَ الشّرْكِ، حتى إنّهُ لَتخافُكَ النُّطَفُ التي لم تُخلَقِ
    وجانب آخر في بعض مدائحه يمتاز به عن بشار ،حيث كان يعمد كثيراً إلى الألفاظ العذبة الرشيقة التي تموج بالنعومة والخفة فيؤلف منه مدائحه ، كقوله في الأمين:
    مَلِكٌ ، إذا عَلِقَتْ يداكَ بحَبْلِهِ لا يَعترِيكَ البُؤسُ والإعْدامُ
    أراجيزه:
    وأبو نواس في أراجيزه ووصفه للصيد وأدواته وجوارحه أكثر تمسكاً بالقوالب القديمة، يقول:
    كأنّ نسراً ما توكّلْنا بهِ يعفو على ما جَرَّ من ثِيابهِ
    توكلنا به:اعتمدنا عليه.
    يعفو:يمحو.
    الرثاء:
    كان أبو نواس يتخير لمراثيه أسلوباً جزلاً مصقولاً، وقد يكثر فيه من الغريب، خاصة إذا كان من يبكيه من اللغويين مثل خلف الأحمر، وفي مراثيه يمتاز بحرارة اللهجة وصدق العاطفة ، ومن مراثيه في الأمين، قوله:
    طوَى الموتُ ما بيْني وبينَ محمّدٍ، وليسَ لَما تطْوي المنيّةُ ناشِرُ
    لئن عمَرَتْ دُورٌ بمنْ لا أودّهُ، فقد عَمَرَتْ ممّنْ أُحِبُّ المقابرُ
    الغزل:
    لأبي نواس أشعار غزلية رقيقة في الغزل، فهام بـ“جنان“ وبغيرها من النساء، وتغزل فيهن، وجاء شعره في الغزل سهل الأسلوب، صريح العبارة ، متأثراً بعمر بن أبي ربيعة في غزلياته:
    يقول في جنان محبوبته:
    وقائلةٍ لي: كيْفَ كنتَ تُريدُ؟ فقلتُ لـها: أن لا يكونَ حسودُ
    لقد عاجلتْ قلبي جِنانُ بهجرِها، وقد كان يكفيني بذاكَ وَعِيدُ
    رَأيتُ دنوّ الدّارِ ليسَ بنافعٍ، إذا كانَ ما بينَ القلوبِ بعيدُ
    خمريات أبي نواس:
    إن أبا نواس مصور ماهر، يصف ما تراه العين بألفاظ يغمرها البيان ،ومعان تبلغ السمو والروعة، راحت تشغله أقداح الراح ومجاهرته بالدعوة إلى الخمر والثورة على الأخلاق والتقاليد، وكم يعجبك صدق صورته وصدق تشبيهه فهو يشبه لطف الخمر في كأسها، فيقول:
    كأنّ يدَ النديمِ تديرُ منها شعاعاً لا تحيطُ عليه كاسُ
    ويدعو إلى وصف الخمر وما يتعلق بها بدلاً من وصف الأطلال، قائلاً:
    لا تَبْكِ ليلى، ولا تطْرَبْ إلى هندِ، واشْرَبْ على الوَرْدِ مِنْ حَمْراءَ كالوَرْدِ
    كأساً إذا انْحَدَرَتْ في حلْقِ شاربها، أجْدَتْهُ حُمْرَتَها في العينِ والخدّ
    واسمعه كيف يبدع في وصف الخمرة وصفائها، قائلاً:
    معتَقةٌ ، حمراءُ، وَقْدَتُها جَمرُ، ونَكْهتُها مسْكٌ، وطَلْعتُها تِبرُ
    ويقول:
    ألا فاسقِني خمراً، وقل لي: هيَ الخمرُ،
    ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ وهكذا يمضي الشاعر في خمرياته بصور فنية رائعة تحفل بالمادة القديمة والحديثة.
    الزهد:
    تشير دلائل كثيرة إلى أن أبا نواس لم يكن زنديقاً ولا كافراً ،بل كان ماجناً عامر القلب بالإيمان؛فحين بلغ السن بأبي نواس مبلغه وخطه الشيب أخذ يفيق أحياناً من سكر،مفكراً في الحياة وعواقبها وفي البعث والنشور والموت والفناء، وكان من حين لآخر ينيب إلى ربه، مما جعله يردد أنغاماً مختلفة في الزهد والدعوة إلى الانصراف عن الشهوات والاستعداد للآخرة،بالتقى والعمل الصالح، كقوله:
    يا طالب الدنيا ليجمعها جمعت بك الآمال فاقتصد
    واعمل لدار أنت جاعلها دار المقامة آخر الأبد
    .................................................. .................................................. ................................................
    المحاضرة العاشرة من أعلام الشعر العباسي أبو العتاهية
    مقدمة: تناولنا في المحاضرة السابقة شاعراً من شعراء العصر العباسي ألا وهو أبو نواس .
    ووقفنا على مولده وحياته ونشأته ،وشاعريته ، وعرضنا لبعض أغراضه الشعرية .
    ونحاول في هذه المحاضرة الوقوف على شاعر آخر من شعراء العصر العباسي ألا وهو ” أبو العتاهية“
    • مولده وحياته ونشأته: هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن المؤيد بن كيسان العنزي، ولدفي ” عين التمر“ بالقرب من الأنبار سنة130هـ، وتوفي سنة211هـ، وأوصى أن يكتب على قبره:
    إنّ عَيْشاً يَكونُ آخِرُهُ المَوْ تَ لَعَيشٌ مُعَجَّلُ التّنغيصِ
    كان أبوه نبطياً من مولى بني عنزة، أما أمه فكانت من مولى بني زهرة. وكان أبوه يعمل بالحجامة، ويظهر أن سيل العيش قد ضاقت به في بلدته فانتقل منها إلى الكوفة بأسرته، ومعه الصغيران:زيد وأبو العتاهية.
    ولا يكاد يشب أبو العتاهية حتى نراه ينتظم في سلك المحنثين. ولعل ذلك ما يدل على ما كان يحسه هذا الغلام من ضياع.
    إذ نشأ في أسرة فقيرة مغموراً، لا يعتز بأي شيء في دنياه من جاه أو ثروة، وكان دميم الوجه، قبيح المنظر.
    نزعت به نفسه إلى اللهو والمجون ، وهذا مما اضطره أن يمشي في طريق وعرة المسالك وانخرط في جماعة المخنثين.
    تفجر ينبوع الشعر على لسانه منذ الصغر، فكان يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشعاره ويكتبونها على ما تكسر من الخزف وما يشترونه من الجرار.
    وهناك في الكوفة أخذ أبو العتاهية يختلف على مجالس أهل العلم والأدب في مساجد أهل الكوفة.فتعلم العربية ومهر بالشعر، حتى دوت شهرته فيما بعد .
    قصد أبو العتاهية الكوفة وأقبلت عليه الدنيا حين ولي الخلافة المهدي، فأعجب الخليفة المهدي بمدحه فأخذ يغدق عليه جوائزه ، وأوسع له في مجالسه ، ويقال إنه كان يعطيه على القصيدة سبعين ألف درهم.
    أحب أبو العتاهية ” عُتبة“ وهي جارية من جواري المهدي ، وراح يتغزل بها ، وكانت هي تزدريه ، كما ازدرته ” سُعدى“ من قبل.
    علم الخليفة المهدي بتغزل أبي العتاهية في جواري قصره، فغضب وأمر بضربه مائة سوط وسجنه، ولم يلبث يزيد بن منصور الحميري أن شفع له لدى المهدي فعفي عنه وردَّ إليه حريته.
    وقد ظل يذكر“عُتبة“ويتغنى باسمها طويلاً، ولعل ذلك هو الذي جعل المهدي يقول عنه: إنك إنسان متعتَّه، فاستوي له بذلك لقبه (أبو العتاهية)وغلب هذا اللقب على اسمه.
    وظل يعيش حياة اللهو والمجون حتى سنة 180هـ ، حيث تحول من حياة اللهو والمجون إلى حياة الزهد والتقشف ولبس الصوف.
    ويحاول الرشيد أن يعود به ثانية إلى حياته القديمة ، وإلى ما كان يصنع له من رقائق الغزل فيمتنع وضيق صدر الرشيد بامتناع أبي العتاهية ، ويأمر بضربه وحبسه في دار موسِّعاً عليه حتى يصدع لأمره .
    ويسترسل أبي العتاهية في استعطاف الرشيد، قائلاً:
    إنما أنت رحمة وسلامة زادك اللـه غبطة وكرامة
    لو توجعت لي فروحت عني روح اللـه عنك يوم القيامة
    ويرق قلب الرشيد ويأمر بإطلاقه ، ويأخذ منذ هذا التاريخ الإكثار من شعر الزهد وذكر الموت والفناء والدعوة لمكارم الأخلاق.
    يعد أبو العتاهية من المتقدمين في طبقة بشار وأبي نواس، وكان الشعر عنده سهلاً حتى يحكى أنه قال يوماً لو شئت أن أجعل كلامي كله شعراً، وهذا دليل قاطع على سرعة بديهيته.
    وكل من يطلع أشعاره تتجلى له تلك المسحة الغالبة على شعره من الزهد ؛ حيث تطغى على فنونه الشعرية الأخرى.
    كما أن شعره يمثل حياته أصدق تمثيل ؛ فهو في شطر من حياته يتغزل ويصف الخمر .وهو في الشطر الثاني من حياته يكف عن الغزل ووصف الخمر مستبدلاً بها الزهد ونثر الحكم والدعوة إلى مكارم الأخلاق.
    وتتميز أشاعره بطلاقة الطبع ورشاقة النظم ، وهي ذات ألفاظ تسيل نعومة وعذوبة ولاسيما في الزهديات وذم الدنيا في مدائحه تحريض على التقوى والانصراف عن الدنيا ، متمسكاً بالأسلوب القديم ، يتخلى عن وصف الصحراء والأطلال إلا ما قد يأتي عرضاً ، من مدائحه في المهدي:
    أتَتْهُ الخِلافَةُ مُنْقادَةً إلَيْهِ، تُجَرِّرُ أذْيالَهَا
    وَلم تَكُ تَصْلُحُ إلاّ لَهُ، ولم يَكُ يَصْلُحُ إلاّ لَهَا
    ولوْ رامَها أحَدٌ غَيرَهُ، لَزُلزِلَتِ الأرْضُ زلْزالَهَا
    أما الغزل عند أبي العتاهية فكثير ورقيق ، يصدر عن نفس وثابة مُلهمة ولاسيما أقواله في عتبة، والتي منها:
    كأنّها ، من حُسنِها، دُرّةٌ، أخرَجَها اليَمُّ إلى السّاحِلِ
    كأنّ، في فيها وفي طَرْفِها، سَواحِراً أقبَلنَ من بابِلِ
    ويقول:
    يا عُتبَ سَيّدَتي! أمَا لكِ دينُ؟ حتى متى قَلبي لدَيكِ رَهِينُ؟
    يا عُتْبَ! أينَ أفرّ منكِ، أميرَتي! وعليّ حِصْنٌ منْ هَواكِ حَصِينُ
    وينتقل أبو العتاهية من مرحلة غزله ولهوه إلى مرحلة جديدة، تعد انقلاباً في حياته ، وهي حياة الزهد، وظل نحو ثلاثين عاماً يتغنى بالكأس الخالدة كأس الموت الدائرة على الخلق ، فالكل مصيره إلى الفناء، قائلاً:
    لِدوا للمَوْتِ ، وابنُوا للخرابِ، فكُلّكُمُ يَصِيرُ إلى تَبابِ
    وقوله:
    الناس في غفلاتهم ورحى المنيّة تطحن
    ويواصل مسجلاً أن الطبيب قد يسبق مريضه إلى الموت، قائلاً:
    وقَبلَكَ داوَى الطّبيبُ المَريضَ، فَعاشَ المَريضُ وماتَ الطّبيبُ
    وفي زهده أدعية وابتهالات إلى رب العالمين:
    إلَهي لا تُعَذّبْني، فَإنّي مُقِرٌّ بالّذي قَدْ كانَ مِنّي
    وَمَا لي حَيلَةٌ، إلاّ رَجائي، وَعَفُوكَ، إن عفوْتَ، وَحسنُ ظني
    وأشعاره في الزهد والمواعظ والحكم لا مثيل لها ، كأنها مأخوذة من الكتاب والسنة ، وما جرى من الحكم على ألسنة السلف.
    من كل ما تقدم عرفنا أبا العتاهية في مختاراته الشعرية : لطيف المعاني ، ألفاظه سهلة، يميل إلى التجديد الشعري، فقد حرر نفسه من التقيد بالمعاني والأوزان، متأثراً بالأدب الفارسي والحكمة اليونانية ، وكان أول من ولج باب الزهد في التصوف.
    .................................................. .................................................. .................................................. ......
    المحاضرة الحادية عشرة
    (المتنبي) تناولنا في المحاضرة السابقة شاعراً من شعراء العصر العباسي، وهو:أبو العتاهية، ووقفنا على حياته ونشأته وشاعريته وشعره.
    ونحاول في هذه المحاضرة أن نلقي الضوء على شاعر آخر من شعراء العصر العباسي ، وهو الشاعر المعروف: المتنبي.
    مولده:
    ولد الشاعر الحكيم أبو الطيب المتنبي في محلة كندة بالكوفة. وقد أجمع الرواة أن تاريخ مولده هو سنة303هـ.
    أصله نشأته:
    عربي الأصل، نشأ في أسرة فقيرة، ويعرف أبوه بعبدان السقا، كان عمله سقاية الماء في محلة كندة.
    وفاته: قتل المتنبي هو وابنه وغلامه في رمضان سنة354ه.
    حياته:
    تردد في أقطار الشام يمدح أمراءها وأشرافها حتى اتصل بالأمير سيف الدولة الحمداني ، فحسن موقعه عنده وأحبه وقربه وأجازه الجوائز ، وكان يجري عليه كل سنة ثلاثة آلاف دينار خلا الإقطاعات والهدايا المتفرقة .
    ثم وقعت وحشة بينه وبين سيف الدولة ففارقه وقدم مصر ومدح كافوراً الإخشيدي فأجزل صلته وخلع عليه ووعده أن يبلغه كل ما في نفسه .
    وكان أبو الطيب قد سمت نفسه إلى تولي عمل من أعمال مصر فلما لم يرضه هجاه وفارقه وسار إلى بغداد. وتنقل بين البلدان يمدح الأمراء والوزراء، فمدح ابن العميد ، ومدح عضد الدولة.
    وفي بغداد سنة أربع وخمسين وثلاث مئة تعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه ، فقتل المتنبي ومن معه.
    العوامل المؤثرة في ثقافته وفي شعره:
    1- مدارس العلويين:
    أرسله والده إلى مدارس العلويين في الكوفة ليتعلم فيها القراءة والكتابة مع فريق من أشراف العلويين.
    2- دكاكين الوراقة ومقابلته للعلماء والباحثين:
    أخذ يختلف على دكاكين الوراقين لمطالعة بعض الكتب والكراريس.
    وكانت هذه الحوانيت منتدى للأدب، يقصدها العلماء والأدباء والباحثون ، فلابد أنه كان يلقى كثيراً منهم ويتصل بهم. وطبيعي أن تلك الحوانيت هي التي مهدت للمتنبي ثقافته الأولى.
    3- ذكاؤه الحاد.
    ساعده ذكاؤه الحاد أن ينهل من كل تلك العلوم والمعارف ، فيروى أنه كان قوي الذاكرة ، سريع الحفظ.
    4- ذهابه إلى البادية لتيقن اللغة العربية.
    ذهب للبادية وأقام فيها سنتين لتقويم لسانه وتعلم اللغة.
    5- تأثره بفلسفة أبي الفضل.
    رحل إلى الكوفة وفيها تأثر بأبي الفضل الذي تفقه في الفلسفة اليونانية.
    ادعاء المتنبي للنبوة:
    ذهبت بعض الروايات إلى ادعاء المتنبي للنبوة، والذي يمكن ملاحظته على تلك الروايات أن الذين يرونها أشخاص مجهولون، وأن رواياتهم قد تناقلتها الأفواه، فزادت فيها ونقصت، ولكننا نجد أن الرواة المعلومين ممن اتصلوا بالمتنبي وشرحوا شعره، أو ممن جاءوا بعده، وعنوا عناية كبيرة بشعره، لا يذكرون لنا شيئاً عن هذه النبوة كابن جني وأبي العلاء المعري.
    كما أن المتنبي قد أنكر بطرق عدة ادعاءه النبوة، وأن ابن جني صديق المتنبي يذكر أنه إنِّما لُقِّب بالمتنبي لقوله:
    أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّـ ـهُ غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ
    مَا مُقامي بأرْضِ نَخْلَةَ إلاّ كمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهُودِ
    شاعريته:
    لعب المتنبي دوراً كبيراً في الشعر العربي، فقد طرق أبواب الفنون الشعرية المعروفة، ولم يكن في وقته من يساويه في فنونه التي جمع فيها من الأدب فنوناً، وذلك أنه ضرب في كل شيء منه بسهم وافر. وكان يتخذ شعره صناعة، فلا يقوله ارتجالاً، ولا يندفع مع سجيته، وقد أجاد وأبدع في شعره سواء من ناحية الخيال والأسلوب.
    ويظهر أن ذكاءه الحاد ونفسيته العالية ساعداه كثيراً على التحليق في شعره بين كثير من الشعراء الذين عاصروه.
    والمتصفح لديوانه يجد أن شعره يتصف برقة وصدق لهجة وبراعة تركيب وروعة معان.
    فهو شاعر متقد العاطفة، مرهف الحس، تطالعنا في شعره صور مغرية جذابة تأخذ بمعاقل القلب.
    وكان المتنبي من أبعد الشعراء صيتاً في هذه الحقبة الزمنية.
    فنونه الشعرية:
    تفوق المتنبي في أغراض معينة منها: المدح والفخر، والهجاء والحكمة والرثاء والوصف .
    وكان أبو الطيب كثير المبالغة في شعره. وكان فخوراً بشعره، لا يرى في الشعراء من يوازيه، وقد ساءه من سيف الدولة أن يساويه بغيره وهو الشاعر الكبير الذي يحب سيف الدولة حباً صادقاً، فعاتبه على ذلك، ودعاه إلى التمييز بين الشحم والورم، والنور
    والظلمة، وأن يقدر مكانه الرفيع بين الأدب والشعر، قائلاً:
    وَمَا الدّهْرُ إلاّ مِنْ رُواةِ قَصائِدي
    إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدّهرُ مُنشِدَا
    وَدَعْ كلّ صَوْتٍ غَيرَ صَوْتي فإنّني
    أنَا الطّائِرُ المَحْكِيُّ وَالآخَرُ الصّدَى
    وربما كان المتنبي وحده الشاعر الذي حضر الحروب في هذه الحقبة، وحارب في جيش سيف الدولة، وذاق لذة النصر ومرارة الهزيمة، وقال أحسن الشعر العربي الذي قيل في وصف الحرب من قبل ومن بعد، ويكفيه أنه استطاع أن ينشد بمجلس سيف الدولة على رؤوس حساده:
    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ
    ألخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ
    صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ منفَرِداً حتى تَعَجّبَ مني القُورُ وَالأكَمُ
    ويذهب الدكتور عبد الوهاب عزام إلى أن قصائد المتنبي في وصف حروب سيف الدولة الداخلية والخارجية تفوق الملاحم اليونانية واللاتينية والهندية والفارسية؛ فهو الشاعر الذي وصف وقائع ذلك العصر وحوادثه الجسام وجلائل الحروب والأعمال وصفاً دقيقاً في قصائد حماسية رائعة.فمن أقواله في السيف:
    إذا كنتَ تَرْضَى أنْ تَعيشَ بذِلّةٍ فَلا تَسْتَعِدّنّ الحُسامَ اليَمَانِيَا
    تعقيب:
    فالمتنبي بحر متلاطم الأمواج لا زال شاغل الناس ومالئ الدنيا ومدد الشعراء وتنازُع الباحثين على مدارج العصور.
    .................................................. .................................................. ................................

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    215

    افتراضي يتبع

    المحاضرة الثانية عشرة
    ( أبو العلاء المعري) تناولنا في المحاضرة السابقة الشاعر العباسي: المتنبي.
    وعرضنا لحياته ونشأته وشعره.
    وتحاول هذه المحاضرة أن تقف على شاعر آخر من شعراء العصر العباسي ألا وهو: أبو العلاء المعري( رهين المحبسين).
    • مولده ونشأته:
    هو أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي.
    الشاعر الفيلسوف.
    ولد في معرة النعمان سنة 363هـ. والمعرة بلدة قريبة من حلب، وإليها نسب.
    نشأ في بيت علم معروف. فأبوه من العلماء، وجده وأبو جده وجد جده كلهم تولوا قضاة المعرة.
    أصيب بالجدري وهو لم يتجاوز الرابعة من عمره، فكف بصره.
    بقي المعري نحواً من سبعة وثلاثين عاماً يشارك في الحياة وينظم الشعر ويؤلف ويعلم حتى استفاضت شهرته.
    ثقافته:
    وقد كان ذكياً شديد الذكاء، فلم تمنعه عاهته عن الدرس، فدرس العلوم التي تدرس في عصره من فقه ونحو وأدب، وجعل يتابع بنهم كتب الأدب القديمة من أدبية وتاريخية.
    درس على أبيه وعلى بعض المشايخ من علماء المعرة، وقد ساعده مركز عائلته على هذا الدرس.
    ثم تثقف كثيراً من العلوم والآداب بصورة خاصة، وأخذ يقول شعراً جيداً، ولما اشتد ساعده رحل إلى أنطاكية واللاذقية وطرابلس لطلب العلم ومنها إلى بلاد الشام، واتصل بالرهبان.ويقال إن اتصاله بالرهبان هيأ له أن يدرس الفلسفة اليونانية.
    المعري في بغداد:
    بلغ أبو العلاء المعري السادسة والثلاثين من عمره، وقد يمم بغداد حاضرة الخلافة العباسية وقبلة الطامحين، ففتن بها ومال إليها، كما يقول:
    كَلِفْنا بالعِراق، ونحنُ شَرْخٌ، فلم نُلْمِمْ به، إلاّ كُهولا
    ونتيجة لأن المعري كان كثير الاعتداد بشخصيته، لم يتملق للرؤساء، ولم يمدح أحداً منهم، ولذلك لم يجد منهم التفاتاً، وأدى هذه إلى تبرمه في إقامته في بغداد، وبينما هو على هذه الحالة، إذ أتاه كتاب من أهله يخبره بمرض أمه، فوجم أبو العلاء،
    اضطرم باله وساءت حالته، فلم يبق أمامه إلا أن عزم على الرحيل
    وهنا اندفع أبو العلاء يودع بغداد وداعاً يفيض وفاءً ويتدفق حزناً ولوعةً،وفي ذلك يقول:
    إذا نأتِ، العِراقَ، بنا المَطايا ، فلا كُنّا، ولا كان المَطِيّ
    على الدّنيا السلامُ، فما حياةٌ، إذا فارَقْتُكمْ إلاّ نَعِيُّ
    لقد غادر شاعرنا بغداد، بعد إقامة دامت سنة وأربعة أشهر، ولكنه وصل المعرة وقد توفيت والدته، ولدى وصوله المعرة، اعتزل الناس وجلس في بيته لا يغادره وسمى نفسه (رهين المحبسين).
    أسباب عزلة أبي العلاء المعري:
    1- الاضطراب الذي أصاب عصره:
    الانقلاب السياسي الذي كان يسود الشام في عصر أبي العلاء قد بلغ درجة أثرت على أخلاق الناس عامة، وجعلت الناس لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم. وقد ساعد هذا الاضطراب التزام أبي العلاء الاعتزال عن الناس.
    2- عاهته:
    كانت عاهة أبي العلاء المعري سبباً في كرهه الحياة والناس، فالأعمى عادة يسيء الظن بالناس، ودائماً ما يفسر سلوك الناس تفسيراً يبَّغض إليه الناس.
    3- اطلاعه على نظريات الفلاسفة:
    لعل اطلاعه على نظريات الفلاسفة وحيرتهم في تفسير غاية الحياة، جعله يكره الحياة والناس ويعتزلهم.
    كل هذه العوامل وغيرها مجتمعة جعلته يعتزل الناس نيفاً وأربعين سنة.
    ولكن انعزاله لا يعني انقطاعه عن العمل، بل كان منزله مقصد طلاب العلم والمعرفة من كل الآفاق. فقضى هذه السنين بالدرس والتدريس.
    شاعريته:
    بدأ أبو العلاء يقرض الشعر وهو في الحادية عشرة من عمره، وقد نيف على الثمانين وما ترك القريض وما أعرض عنه.
    ولأبي العلاء ثلاثة دواوين فقط وهي: سقط الزند والدرعيات واللزوميات .
    وهو في الشعراء والحكماء والمفكرين والمؤلفين واللغويين من كبارهم، مارس أكثر المعارف التي اشتمل عليها عصره.
    شعره:
    حين نعرض لشعر أبي العلاء نستطيع أن نقسمه إلى قسمين: الشعر الذي قاله في شبابه قبل أن يعتزل الناس، وهو شعر قاله في فترة تبلغ نحواً من خمس وعشرين سنة، وقد جُمع في ديوان خاص يسمى ( سقط الزند) وقد طبع هذا الديوان غير مرة.
    ثم شعره في الفترة التي اعتزل فيها الناس، وقد جُمع في ديوان خاص يعرف بـ ( اللزوميات)أو( لزوم ما لا يلزم).
    ولم يكن إنتاج أبي العلاء يقتصر على الشعر، بل ولج باب النثر، وله في ذلك تصانيف كثيرة.
    خصائص شعر المعري في الفترة الأولى:
    وهو شعر يسوده التقليد في الطريقة والأسلوب، ولهذا نراه ينحو منحى القدماء فهو يبدأ بالغزل أو بذكر النوق والمطايا التي تحمله إلى ممدوحيه إذا شاء المدح، وفي مدحه أيضاً لا يعدو أن يذكر الصفات التي اعتاد الشعراء أن يسبغوها على ممدوحيهم من شدة بأس وشكيمة إلى غير ذلك .
    وغزله فيها غزل متكلف ظاهر الصنعة، فهو يحذو حذو أبي تمام في اصطناع البديع، وحذو المتنبي في التزام المقابلة والمبالغة. يقول:
    ألا في سبيلِ المَجْدِ ما أنا فاعلُ: عَفافٌ وإقْدامٌ وحَزْمٌ ونائِلُ
    تُعَدّ ذُنوبي، عندَ قَوْمٍ، كثِيرَةً، ولا ذَنْبَ لي إلا العُلى والفواضِل
    خصائص شعره في الفترة الثانية من حياته:
    ويغلب على شعره في هذه الفترة سيطرة العقل وسعة الخيال .
    يمثل الشعر في هذه الفترة شعر اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم، ويختلف عن شعره في الطور الأول بانصرافه عن الأسلوب الشعري التقليدي وعن مواضيع الشعر التي يطرقها الشعراء عادة، فليس في شعره مديح ورثاء وغزل كما نراه في شعره في طور الشباب، وإنما كان يدور هذا الشعر حول التأملات في الحياة والموت والأديان، وهذه التأملات أشبه ما تكون بخواطر الفلاسفة منها بخواطر الشعراء، وكان ينظمها أبو العلاء في شعره.
    وعندما تقرأ شعر اللزوميات تجده ناقماً ثائراً على كل معتقد، ويتحدى كل تقليد في الحياة، ترى جواً صاخباً مشوناً بالثورة الجامحة والتشاؤم المقيت، فهو بمعظمه لا يثير العواطف ولا يحرك الخيال بقدر ما يخاطب العقل ويدعو إلى التفكير وإطالة النظر فيه.
    وقد أحاط أبو العلاء هذه التأملات بإطار من الألفاظ العربية والتعابير المعقدة، وقيد قوافيها بقيود التزمها لا يُلزم الشاعر لزومها.
    خصائص شعره في الفترة الثانية من حياته:
    ويغلب على شعره في هذه الفترة سيطرة العقل وسعة الخيال .
    يمثل الشعر في هذه الفترة شعر اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم، ويختلف عن شعره في الطور الأول بانصرافه عن الأسلوب الشعري التقليدي وعن مواضيع الشعر التي يطرقها الشعراء عادة، فليس في شعره مديح ورثاء وغزل كما نراه في شعره في طور الشباب، وإنما كان يدور هذا الشعر حول التأملات في الحياة والموت والأديان، وهذه التأملات أشبه ما تكون بخواطر الفلاسفة منها بخواطر الشعراء، وكان ينظمها أبو العلاء في شعره.
    وعندما تقرأ شعر اللزوميات تجده ناقماً ثائراً على كل معتقد، ويتحدى كل تقليد في الحياة، ترى جواً صاخباً مشوناً بالثورة الجامحة والتشاؤم المقيت، فهو بمعظمه لا يثير العواطف ولا يحرك الخيال بقدر ما يخاطب العقل ويدعو إلى التفكير وإطالة النظر فيه.
    وقد أحاط أبو العلاء هذه التأملات بإطار من الألفاظ العربية والتعابير المعقدة، وقيد قوافيها بقيود التزمها لا يُلزم الشاعر لزومها.
    كما أن للفلسفة والعلوم الطبيعية تأثير كبير في الشعر العربي، وقد وجدنا لأبي العلاء الكثير من النفثات الفلسفية وهي موزعة في قصائده.
    وفاته:
    اعتل رهين المحبسين في أوائل شهر ربيع الأول سنة441هـ ومات في اليوم الثالث من علته، تاركاً وصيته أن يكتبوا على قبره: ”هذا جناه أبي عليَّ وما جنيت على أحد“.
    ويروى أنه عندما مات وقف على قبره أربعة وثمانون شاعراً يرثونه، ولمدى سبعة أيام أقام مقرئو المعرة على قبره يتلون القرآن حتى أتموه مائة ختمة.
    .................................................. .................................................. .....
    المحاضرة الثالثة عشرة
    (أبو فراس الحمداني- الشريف الرضي) تناولنا في المحاضرة السابقة الشاعر العباسي: أبو العلاء المعري.
    وعرضنا لحياته ونشأته وشعره.
    وتحاول هذه المحاضرة أن تقف على شاعرين من شعراء العصر العباسي ألا وهما: أبو فراس الحمداني، والشريف الرضي.
    • أبو فراس الحمداني:حياته ونشأته:
    هو الحارث بن سعيد بن حمدان، ولد سنة عشرين وثلاثمائة للهجرة أو إحدى وعشرين وثلاثمائة للهجرة في منبج في الموصل.
    لقد عاش أبو فراس في عصر كان مليئاً بالاضطرابات السياسية والأدبية،يموج بالفتن والإزعاج، ويضطرب بالغارات والحروب ،... فكان شاعرنا عنوان الفتوة والفخر وفارس الهجاء ....فهو عربي أصيل النزعة والروح، متأثر بالقومية الدينية ، له من الفتوة والطموح ما يجعله في مصاف الشعراء الخالدين والعباقرة الأفذاذ.
    وهو أحد فرسان الدولة الحمدانية في حلب وشجعانها الأفذاذ المعدودين، وكان أحد الموصوفين بفصاحة المنطق وبلاغة القول وكرم اليد والنفس، قضى سني شبابه في حومانة القتال وبين قراع السيوف، وكان عفيف اللسان جواداً، ولأنه أمير مترف، فهو لم يتكسب بشعره.
    أسره:
    أسر أبو فراس مرتين من قِبل الروم، ففي المرة الأولى لم يطل أسره وافتداه سيف الدولة، أما في المرة الثانية طال به الأسر أكثر من أربع سنوات.
    وكان أبو فراس خلال أسره يرسل الشعر الرقيق في غياث سيف الدولة وتحريضه على فكه من الأسر، وعرفت قصائده التي كتبها في أسره بالروميات، وهي ذات طابع خاص من الحنين والشوق والإحساس بالغربة والوحدة. وقتل أبو فراس، في ضيعته سنة357هـ، وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين.
    رأي النقاد فيه:
    قال عنه الثعالبي:“فرد دهره وشمس عصره أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ومجداً وبلاغةً وبراعةً وفروسيةً وشجاعةً، وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة، ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك“.
    ويقول عنه الزركلي في الأعلام:“أبو فراس الحمداني أمير شاعر فارس وهو ابن عم سيف الدولة وله وقائع كثيرة، وكان سيف الدولة يحبه ويجله ويستصحبه في غزواته ويقدمه على سائر قومه....جرح في معركة الروم فأسروه سنة 351هـ فامتاز شعره في الأسر برومياته“.
    شعره:
    قال أبو فراس الشعر في الأغراض المختلفة: كالغزل والرثاء والعتاب والفخر والحرب، وكان شعره سجلاً حافلاً صادقاً لحياته وأحاسيسه ومشاعره وعواطفه وخاصة مديحه وفخره وحماسياته.
    يتميز شعره بالصفاء لفظاً والجزالة أسلوباً والوضوح معنىً، وهو بعد ذلك بعيد عن الصنعة والتكلف،ولم يتناول أبو فراس الأغراض الدينية.
    إذا تأملت شعره في جميع الفنون في جزالته ومتانته وعذوبته وسلاسته وانسجامه وأخذه بمجامع القلوب وجمعه لأنواع المحاسن التي تطلب من الشعراء علمت انه ليس في شيء من المبالغة اقترانه إلى ملك الشعراء امرئ القيس ومساواته للمتنبي .
    فلقد احتل شعر أبي فراس مركزاً رفيعاً وشهرة عظيمة، فهو مجموعة عواطف صادقة تعبر عن شعور حقيقي، جزل الأسلوب، سلس العبارة، تنقاد إليه القوافي بغير تكلف،وتنشال عليه المعاني متزاحمة في غير معاناة، لذا جاء خالياً من المبالغات والإسفاف، ونم عن ذوق سليم، وطبع رائق، وروح سامية.
    لقد ترجمت أشعاره إلى اللغة الألمانية، وله ديوان شعر جمعه ابن خالويه المتوفى سنة370هـ، وأعيد طبعه مراراً.
    تلك هي صفحة من حياة الشاعر العظيم أبي فراس الحمداني، مليئة بالإحساس طافحة بالأماني، وقد أثبت لنا بجدارة فائقة شعره الفذ بما ينطوي عليه من جمال الأسلوب وسمو المعاني، ودقة التفكير ورقة اللفظ، وحسن الانسجام، وبلاغة القول وجزالته.
    خصائص شعر الروميات:
    نظم أبو فراس خلال أسره ما يعرف بالروميات، ذاع صيتها وبلغ بها أعلى ما يبلغه شاعر من الشعر العاطفي بما فيها من حنين وشوق وذكريات وأحداث وآمال وآلام.
    فالروميات صورة حية لنفسية الشاعر الأسير، وبرز فيها:
    أ‌- حنين إلى الوطن.
    ب‌- إباء وبطولة.
    ج- وفاء ابن بار بأمه.
    د- كتمان محب يعرف قيمة نفسه وقيمة من يحب .
    ه- ألم صادق لعزة جُرحت من الأسر. و- عتاب وشكوى وتذكير بمواقف.
    الشريف الرضي:
    هو أبو الحسن الشريف الرضي ، ولد ببغداد سنة 359هـ. ينحدر من أسرة عريقة النسب، نشأ في بيت علم وشرف، ودرس علوم الدين والعربية على أبيه وعلى غيره من من علماء بغداد في ذلك الحين.عاش في القرن الربع للهجرة في ظل الخلافة العباسية. توفي سنة 406هـ.
    شعره:
    كان الشريف الرضي يقول الشعر؛ ليرضى هوايته، ويعبر عن انفعالاته النفسية، ويُظهر مكانته في المعرفة، ولذلك لم يطرق أبواب الشعر إلا في هذه النواحي، ولذا نرى أن شعر الفخر يحتل جزءاً كبيراً من ديوانه.
    ثم نجد الشريف الرضي ذا عاطفة رقيقة، شديد الولع بالحب والجمال، كثير التغزل، ثم هو رجل تربطه بالناس روابط الصداقة؛ فنجده ينظم أصدقائه ومراسلاتهم وهو ما يسمى بـ (الإخوانيات).
    ونجد أن باب الرثاء يحتل جزءاً من شعره، كما رثى من فقد من أصدقائه.
    ونتيجة لأنه لم يتكسب بشعره لذا قل عنده المديح، وهذا لا يعني أنه لم يمدح أحداً قط، فقد مدح بعض الخلفاء ممن تربطه بهم روابط الصداقة، ولكن هذا المدح لم يقصد به التكسب.
    وفي مدحه نلمح نزعة اعتزازه بشخصيته.
    وأجمع المؤرخون أن الشريف الرضي أشعر قريش.
    وشعره حسن الانتقاء للألفاظ، ويحسن تأليفها في انسجام ومتانة، رفيع في التعبير وطريقة الاختصار الذي يغلب على التعبير العربي ، فهو يختصر الصور الشعرية اختصاراً، فهو حين يصور يذكر الخطوط العريضة ، ولا يحاول أن يذكر الأجزاء.
    أثاره:
    من أثاره:
    1- رسائله في ثلاثة مجلدات.
    2- مجازات الأثار النبوية.
    3-تلخيص البيان في مجازات القرآن.
    4- حقائق التأويل في متشابه التنزيل.
    5- نهج البلاغة.
    6- سيرة والده الطاهر.
    7- ديوان شعره.
    أغراضه الشعرية:
    المدح: ومن يطالع مدائحه يجد روح الشمم والإباء مبثوثة في ثنايا ديوانه. فلا أثر للتذلل فيها ، ومنها قوله:
    عَطْفاً ، أمِيرَ المُؤمِنينَ، فإنّنَا في دَوْحَةِ العَلْيَاءِ لا نَتَفَرّقُ
    الغزل: فيبدوا أن الشريف كان رقيق العاطفة، فهو لا ينظم في الغزل مقلداً على عادة الشعراء في بدء قصائدهم، ولكنه كان ينظم للتعبير عن حاجة في نفسه على التغني بالحب والجمال، ولا يعني هذا أنه كان يحيا حياة غزله. من غزله:
    يا ظَبيَةَ البَانِ تَرْعَى في خَمَائِلِهِ ليَهنَكِ اليَوْمَ أنّ القَلبَ مَرْعَاكِ
    المَاءُ عِنْدَكِ مَبْذُولٌ لشَارِبِهِ ولَيسَ يُرْوِيكِ إلاّ مَدمَعي البَاكي
    الفخر: وفخر الشريف الرضي لا يقل قوة ومتانة عن غزله، فهو يحتل المكان الأوفر من شعره، ولا غرو فهو سليل بيت النبوة ، نشأ مزهواً بفخر المتنبي، مترسماً خطاه في كثير من الأحيان.
    له شعر غني بمعاني الفخر والإعزاز، حافل بذكر مآثر آبائه في السلم والحرب، يقول:
    أنَا ابنُ السّابِقِينَ إلى المَعَالي إذا الأمَدُ البَعيدُ ثَنَى البِطَاءَ
    إذا رَكِبُوا تَضَايَقَتِ الفَيَافي وَعَطّلَ بعضُ جمعِهِمُ الفضَاءَ
    الرثاء: أما في الرثاء، فقد تميز شعر الشريف ببراعته في هذا الباب، ويبدو تفجعه عميقاً وإخلاصه مشهوداً فيمن فقد من أفراد أسرته أو من الخلفاء والملوك والكتاب والأصدقاء والعلماء، من ذلك قوله:
    فَارَقْتُ فِيكِ تَماسُكي وَتَجَمّلي وَنَسِيتُ فيكِ تَعَزُّزي وَإبَائي
    كانت تلك شذرات من سيرة الشريف الرضي وشعره، وفي الديوان الكثير من القصائد الحسان والمقاطع الجميلة التي تعد من جوامع الكلم.
    .................................................. .................................................. .......
    المحاضرة الرابعة عشرة
    (خصائص الشعر العباسي وقضاياه ونقده) تناولنا في عدة محاضرات بعض أعلام الشعر العباسي: بشار، أبو نواس، أبو العتاهية، أبو العلاء المعري، المتنبي،، أبو فراس الحمداني، الشريف الرضي.
    وعرضنا لحياتهم وشاعريتهم، وأغراضهم الشعرية، وخصائص شعرهم،....
    ونحاول في هذه المحاضرة أن نبين بعض خصائص الشعر العباسي، وبعض قضاياه.
    • خصائص الشعر العباسي:
    أولاً- رقة العبارة:
    يمكن القول إن ألفاظ الشعر العباسي وعباراته جاءت متأثرة بالعصر بما فيه من: حضارة، وثقافة، ورقي.
    فأصبح الشاعر يصف الخمر وشاربها ومقدمها، ويصف الطبيعة من حدائق وبساتين،... بدلاً من أن يصف الأطلال.
    فانعكس ذلك على ألفاظهم وعباراتهم فجاءت محملة بالرقي والتطور.
    ثانياً- التفنن في المعاني:
    لم يركن الشاعر العباسي إلى المعاني التي استخدمها الشعراء الجاهليين أو الإسلاميين أو الأمويين، بل أخذ يولد المعاني السابقة ويأتي بمعان جديدة تتناسب مع روح العصر، وأخذ الكلام يفتح بعضه بعضاً.
    ثالثاً- التوفر على البديع اللفظي:
    توسع العباسيون في استخدام علم البديع، وتفننوا فيه، وكثر التأليف فيه؛ فهذا ابن المعتز ألَّف كتاب: (البديع ).
    فيعد أدباء العصر العباسي هم من ابتكروا علم البديع.
    رابعاً- التجديد في الموضوعات:
    أخذت موضوعات الشعر القديمة تجدداً واسعاً في معانيها، فقد أخذت تعرض بصورة أدق وأعمق، وأخذت تدخل عليها إضافات كثيرة.
    ولم يقف الشاعر العباسي عند ذلك فقد أخذ ينمّي بعض جوانب هذا الشعر حتى لتخرج منه فروع جديدة كثيرة.
    ففي مجال المدح:
    وفي مثالية الشيم الرفيعة التي كان يصف بها الشعراء ممدوحيهم،
    فقد تناول الشعراء العباسيون هذه الشيم شيمة شيمة، وأخذوا يفردونها بمقطوعات أو قصائد، يجردونها لها محللين، ومفكرين ملاحظين، فقطعة في تصوير الكرم، وقطعة في تصوير الحلم وقطعة في تصوير الحياء، وقطعة في تصوير العفة، وقطعة في تصوير الصبر والتنفير من اليأس.
    كما عدل بعض الشعراء العباسيين عن الوقوف على الأطلال إلى الوقوف على القصور، ومنهم من استبدل وصف الصحراء بوصف الخمر وشاربها ومقدمها،...
    وفي مجال الهجاء:
    فقد وسعوا معاني الهجاء وما فيه من أخلاق مذمومة، فتناولوها هي الأخرى بالبسط والتفصيل منفصلة عن أشعار الهجاء.
    وقد وقفوا طويلاً عند واجبات الأخوة والصداقة واختيار الإخوان والأصدقاء، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
    احذر الأحمقَ أن تصحبه إنَّما الأحمقُ كالثوب الخَلَقِ
    الخَلَق: البالي.
    وفي مجال الوصف:
    فقد أكثر الشعراء العباسيون من وصف الأمطار والسحب، كما أكثروا من وصف الرياض وخاصة في فصل الربيع حين تتبرج الطبيعة بمناظرها الفاتنة.
    ونرى أن شعراء كثيرين منهم يعنون بوصف مظاهر الحضارة العباسية المادية وما يتصل بها من الترف في الطعام والتأنق في الملابس والثياب، ووصف القصور وما حولها من بساتين وما يجري فيها من الظباء والغزلان، وأكثروا من وصف الحيوانات والطير والحشرات.
    وفي مجال المراثي:
    اتسع الشعراء العباسون بمراثيهم حتى شملوا بها الطير والحيوان والبساتين والمدن، وكان منهم من يبكي في مقدمات مدائحه أحياناً الشباب في بيت أو أبيات قليلة.
    كما برعوا في تصوير عواطفهم ومشاعرهم في حالة فقد عزيز عليهم.
    وفي مجال الشعر التعليمي:
    فقد دفع رقي الحياة العقلية في العصر العباسي إلى استحداث هذا النوع من الشعر الذي يقوم على نظم بعض القصص والعلوم والمعارف أو بعض السير والأخبار.
    خامساً- التجديد في الأوزان والقوافي:
    نتيجة لاتساع موجة الغناء في العصر العباسي فكان لابد من البحث عن أوزان جديدة تناسب الشعر الغنائي وموجة الغناء.
    فلم يلبث الشاعر العباسي أن حاول النفوذ إلى أوزان جديدة، وإذا هو يكتشف وزنين ، وهما وزنا المضارع والمقتضب.
    واكتشف الشاعر العباسي أيضاً وزن المتدارك أو الخبب.
    كما جددوا في القوافي مستحدثين ما سموه باسم المزدوج والمسمَّطات.

    قضايا الشعر العباسي:
    بقيام الدولة العباسية في أوائل القرن الثاني الهجري أخذت الحياة العربية تبتعد تدريجياً عن البداوة وتدنو من الحضارة. وكان ذلك بفعل ما طرأ على المجتمع العربي من تغيرات سياسية واجتماعية وفكرية.
    وقد ظهر في القرن الثاني طائفة من الشعراء تأثروا أكثر من غيرهم بمظاهر الحضارة العباسية الجديدة وعُرفوا“ بالشعراء المحدثين“.
    فهؤلاء تلقفوا الشعر من القرن الأول صحيحاً قوي العبارة، جزل التراكيب، تغلب عليه روح البداوة القديمة في المنهج والصياغة والمعنى والخيال.
    وقد شعروا بحكم تحضرهم أن احتذاء القدماء في شعرهم احتذاء تاماً يتنافى مع روح العصر الذي يعيشون فيه، ومن ثَمَّ راحوا يطوعونه لأغراضهم ويجددون فيه.
    ولما كان القدماء قد سبقوهم إلى كل شيء في الشعر من حيث فنونه ومعانيه وأساليبه، فإنهم قصروا تجديدهم على ديباجة الشعر وصياغته، وعلى التعبير عن بعض النزعات والرغبات الحبيسة التي وجدت في حرية المجتمع العباسي وروح التسامح.
    ومن ثَمَّ ظهرت بعض القضايا الخاصة بالشعر وبالنقد وإن كانت قد تداولت من قبل ، فإنها تبدوا وكأنها جديدة التناول ومن هذه القضايا: ( عمود الشعر، اللفظ والمعنى، السرقات الشعرية ، القدماء والمحدثون، الشعوبية، السخرية ،.....).
    نقد الشعر العباسي:
    والمتتبع لحركة النقد في القرن الثاني الهجري يرى أنها قائمة على نشاط اللغويين والنحويين، ووجهوها اتجاهين:
    أحدهما:
    امتداد للنقد الجاهلي والإسلامي مع شيء من التطوير.
    الثاني:
    الاتجاه العلمي في النقد وتمثل في جمع الحجج والأدلة والتأليف، كتأليف كتاب:“جمهرة أشعار العرب“ للقرشي، و“طبقات الشعراء“لابن سلام الجمحي.
    وإذا ألقينا نظرة على ميدان النقد في القرن الثالث الهجري رأينا أن هناك أربع طوائف من النقاد لكل منها منهاجُها الخاص ومقياسها الذي تقيس به الشعر وتحكم عليه.
    فهناك طائفة اللغويين والنحاة، وطائفة الشعراء المحدثين، وطائفة العلماء الذين أخذوا بحظ يسير من المعارف الأجنبية، وطائفة من أخذوا من القديم من اللغويين ولكنهم عُنوا أكثر منهم بالمحدثين.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    387

    افتراضي

    السلآم عليكم ورحمة الله وبركاته
    بصراحه ماعندي الـ3 المحاضرات الأخيره
    فرحم الله والديك وجعل ربي مثواك الجنه ان شاء الله
    تح’ـيآتي لك تسبقها دعواتي ^_^
    إذا كنت وבـيداُ فلا تشـ؏ـر بالـבزن لإن القمر
    » رغم وحدته «
    أجمل مافي السماء ..

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    242

    افتراضي

    جزاك الله خيرا والله يعطيك الصحه والعافيه
    يآآآآآآآآآرب•*´¨`*•
    اللهم ثبت حرووف القرآن في قلبي•*´¨`*•
    وآنس به وحشة الدنيا والآخرة•*´¨`*•
    واجعله جلاء همي وحَزني•*´¨`*•
    واجعله حجة لي لا عليِّ•*´¨`*•
    ...وارزقني ختمه حفظاً وتلاوة وتدبر •*´¨`*•
    على الوجه الذي يرضيڪ عنْي•*´¨`*•
    •*´¨`*•♥أنا وكل من أحب فيڪ ياربي♥•*´¨`*•

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    215

    افتراضي

    بارك الله فيكم ... ووفقكم الله في الاختبارات جميعها

تعليمات المشاركة

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •